متعدّدة ، بقتل قوم كان يرى قتلهم ، وكان النبيّ صلىاللهعليهوآله يرى استبقاءهم واستصلاحهم ، فلم يقبل عليهالسلام مشورته على هذا الخلق ، كما أشار (١) عليه يوم بدر بقتل الأسرى ، حيث أشار أبو بكر بالفداء ، فكان الصّواب مع عمر ، ونزل القرآن بموافقته ، فلمّا كان في اليوم الثاني ، وهو يوم الحديبية ، أشار بالحرب وكره الصّلح ، فنزل القرآن بضدّ ذلك ، فليس كلّ وقت يصلح تجريد السّيف ، ولا كلّ وقت يصلح إغماده ، والسّياسة لا تجري على منهاج واحد ، ولا تلزم نظاما واحدا (٢) .
إلى أن قال : ونحن نذكر كلاما كلّيّا في سبب الغلظة والفظاظة ، وهو الخلق المنافي للخلق الذي عليه أمير المؤمنين عليهالسلام ، فنقول : إنّه قد يكون لأمر عائد إلى المزاح الجسماني ، وقد يكون لأمر عائد إلى المزاح الجسماني ، وقد يكون لإمر راجع إلى النّفس ، فأمّا الأوّل فإنّما يكون لغلبة الأخلاط السّوداوية وترمّدها (٣) ، وعدم صفاء الدّم وكثرة كدورته وعكره ، فإذا غلظ الدّم وثخن ، غلظ الرّوح النّفساني وثخن أيضا ؛ لأنّه متولّد من الدّم فيحدث منه نوع ممّا يحدث لأصحاب الفطرة من الاستيحاش ، والنّبوة (٤) عن النّاس ، وعدم الاستئناس والبشاشة ، وصار صاحبه ذا جفاء ، وأخلاق غليظة ، ويشبّه أن يكون هذا سببا ماديّا. فإنّ الذي يقوى [ في نفسي أنّ النّفوس ] إن صحّت وثبتت ، مختلفة بالذّات.
وأمّا الرّاجع إلى النّفس فأن يجتمع عندها أقساط وأنصباء من قوى مختلفة مذمومة ، نحو أن تكون القوّة الغضبيّة عندها متوفّرة ، [ وينضاف إليها تصوّر الكمال في ذاتها وتوهمّ النقصان في غيرها ، فيعتقد أنّ حركات غيره واقعة على غير الصّواب وأن الصواب ما توهمه ] وينضاف إلى ذلك لجاج وضيق [ في ] النفس ، وحدّة واستنشاط (٥) وقلّة صبر عليه ، فيتولّد من مجموع هذه الأمور خلق دنيّ ، وهو الغلظة ، والفظاظة ، والوعورة ، والبادرة المكروهة ، وحبّهم محنة (٦) النّاس ، ولقاؤهم بالأذى ، وقلّة المراقبة لهم ، واستعمال القهر في جميع الأمور ، وتناول الأمر من السّماء وهو قادر على أن يتناوله من الأرض.
وهذا الخلق خارج عن الاعتدال ، وداخل في حيّز الجور ، ولا ينبغي أن يسمّى بأسماء المدح ، وأعني بذلك أنّ قوما يسمّون هذا النّوع من العنف والخلق الوعر رجوليّة وشدّة وشكيمة ، ويذهبون به مذهب قوّة النّفس وشجاعتها ، [ الذي ] هو بالحقيقة مدح. وشتّان ما بين الخلقين ، فإنّ صاحب هذا
__________________
(١) في المصدر : وأما إشارته.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٢٧.
(٣) أي صيرورتها بلون الرّماد.
(٤) النّبوة : الجفوة والابتعاد.
(٥) في المصدر : استشاطة.
(٦) في المصدر : المكروهة ، وعدم حبّه.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
