وفي جعل القول الذي هو سبب للحسرة عين الحسرة مبالغة في سببيّته لها وعدم انفكاكه عنها ، وفي ذكر هذه الغاية للقول دلالة على عدم ترتّب فائدة وأثر عليه غيرها.
قيل : إنّ وجه كون هذا الكلام حسرة لهم في الدّنيا ، زعمهم أنّ من مات أو قتل منهم إنّما مات أو قتل بسبب تقصيرهم في حفظ القتلى ، ومنعهم من السّفر والقتال ، ومن اعتقد ذلك لا شكّ أنّه تزداد حسرته وتلهّفه.
وقيل : إنّ المراد : لا تكونو مثلهم في هذا القول الصادر عن الاعتقاد الفاسد السّيّء ، ليكون ذلك القول والاعتقاد حسرة لهم خاصّة دونكم. أو المراد : لا تكونوا مثلهم ، ليكون عدم مماثلتكم حسرة لهم ، أمّا في الدّنيا فلأنّهم يرونكم منصورين ، مستولين على الأعداء ، فائزين بالأماني ، حائزين للغنائم الكثيرة ، وفي الآخرة يرونكم مخصوصين بكرامة الله ونعمه ، وهم بسبب تثبّطهم عن الجهاد لهذا الاعتقاد ، حرموا عن جميع ذلك.
ثمّ ردّ الله سبحانه قولهم بقوله : ﴿وَاللهُ يُحْيِي﴾ كلّ نفس ، لا الإقامة في البلد والقعود عن القتال ، ﴿وَ﴾ هو ﴿يُمِيتُ﴾ كلّ حيّ ، لا السّفر والقتال. فإذا أراد الله حياة مسافر أو مقاتل يرجعان سالمين وإن تورّطا في المهالك ، وإذا أراد الله موت مقيم أو قاعد يموتان وإن راعيا جميع أسباب السّلامة.
ثمّ بالغ سبحانه في زجر المؤمنين عن مماثلة الكفّار ، وبعد نهيهم عنها بتهديدهم عليها بقوله :
﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من جعل أنفسكم مماثلة لهم ، وموافقتكم إيّاهم في العقائد والأقوال والأعمال ﴿بَصِيرٌ﴾ ومطّلع ، لا يخفى عليه سرّكم وعلانيتكم ، فيعاقبكم على سيّئاتكم بأشدّ العقوبة.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا
يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾
ثمّ رغّب سبحانه في الجهاد بوعد الثّواب بعد الزّجر عن التّقاعد ، والتّهديد عليه بقوله : ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ أيّها المؤمنون في الجهاد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ونصرة دينه ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ في المسافرة في طلب مرضاته ، من الهجرة إلى الرّسول ، وتحصيل العلم ، وغير ذلك ، يكون ذلك القتل والموت مستلزمين للمغفرة عن الذّنوب ، والرّحمة الدّائمة من الجنّة والنّعم و﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللهِ﴾ لذنوبكم ونجاتكم من عذابه ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة منه تعالى ﴿خَيْرٌ﴾ لكم ، وأنفع ﴿مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ هؤلاء الكفرة ، من الزّخارف الدّنيويّة التي يحسبونها من الخيرات ، في مدّة أعمارهم.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
