هو لمجرد الإرشاد والنصيحة ، فإذا تجرأ المكلف وارتكب طرفا من أطراف الشبهة ولم يصب الحرام ـ فلا بأس عليه ، وان أصابه حوسب على الحرام بالذات لا على حكم العقل بوجوب الاحتياط ، لأن حكمه هنا وسيلة لا غاية.
التنبيه الثالث
في الابتلاء
قلنا مرارا فيما سبق : ان التكليف لا يبلغ حد التنفيذ والتنجيز إلا مع علم المكلف بنوع الحكم ووجود موضوعه والقدرة على طاعته ، وفي هذا التنبيه نشير إلى أمر مهم يتصل بالقدرة عادة لا عقلا ، ويسميه علماء الفقه والاصول بالابتلاء ، ومرادهم الشيء المبتلى به والذي لا غنى للمرء عنه بحكم بيئته وعاداته وأوضاعه وأحواله ، واعتبروا الابتلاء بهذا المعنى شرطا في تنفيذ النهي وتنجيزه صونا لكلام الحكيم عن اللغو والعبث.
وفرّعوا على ذلك أن كل طرف من أطراف الشبهة المحصورة ، يجب أن يكون محلا لابتلاء المكلف كي يسوغ للشارع ـ في حكم العقل ونظر العقلاء ـ أن يوجه خطابه بالنهي عن كل طرف من أطراف العلم الإجمالي ، ويقول للمكلف : ان كان الحرام هنا فاجتنبه ، أو هناك فابتعد عنه ، أما إذا صح النهي عن طرف دون آخر ، فلا يكون التكليف نافذا على كل فرض وحال ، ويكون الشك عندئذ في الطرف الذي صح النهي عنه شكا في نفس التكليف ، فيجري فيه أصل البراءة ، وليس شكا في المكلف به بعد العلم بالتكليف كي يدخل في باب الاحتياط.
ويتضح عدم توجيه الخطاب من الأساس ، أو عدم بلوغه حد التنفيذ ، وينجلي بصورة أظهر وأكمل من الأمثلة التالية :
١ ـ عندك إناءان في أحدهما ماء طاهر وفي الآخر ماء نجس ، ثم وقع شيء من النجاسة في أحدهما وجهلت به على التعيين ، فإن كانت النجاسة قد أصابت الماء الطاهر صح النهي وأثر أثره في وجوب الترك والابتعاد ، وإن كانت قد
