من أطراف العلم الاجمالي الا ويتصف حتما وقهرا بأنه معلوم بالاجمال بحكم الواقع حتى ولو نظرنا اليه مستقلا ، لأن النظرة لا تنسخ الواقع وتحوله عن طبيعته ، واجراء أصل الاباحة معناه إخراج الطرف عن هذا الوصف وإبعاده عن العلم الاجمالي وأطرافه ، وهو خلاف الفرض.
وبهذا يتبين معنا انه لا حاجة إلى القول بأن إعمال أصل الاباحة في جميع الأطراف مخالفة قطعية ، وفي طرف معين ترجيح بلا مرجح ، وفي طرف لا بعينه يتعدد إجراء الأصول بعدد الأطراف وتتعارض لمكان المخالفة القطعية ، وإذا تعارضت تساقطت ، أبدا لا داعي لذلك لأن أصل الاباحة لا يجري من الأساس لانتفاء موضوعه من جهة ، وتعارضه مع الحكم الثابت بالقطع واليقين من جهة ثانية ، أما حديث «كل شيء لك حلال الخ ..» فهو دليل على وجوب الموافقة القطعية ، وتحريم المخالفة الاحتمالية حيث جعل العلم بالحرام غاية ونهاية للحل والاباحة. ومن البديهي ان العلم الاجمالي فرد من أفراد العلم كما أشرنا ، وفي النتيجة يكون هذا الحديث حجة على من استدل به ، ولا حجة له فيه من قريب أو بعيد.
أجل ، قد يقول قائل : انا لا أفهم ولا يتبادر إلى ذهني من حديث «حتى تعرف الحرام بعينه» إلا العلم التفصيلي ، إذا وجد هذا القائل قلنا في جوابه : سلّمنا بفهمك وتبادرك ، ولكن العمل بهذا الحديث في أي طرف من أطراف العلم الاجمالي معارض بمثله في الظرف الآخر ، والعمل بهما معا مخالفة قطعية وبأحدهما ترجيح بلا مرجح ، ومهما يكن فإن نتيجة القول بعدم جريان الأصل في مورد العلم الاجمالي والقول بجريانه مع التعارض والتساقط ـ واحدة.
الموافقة التعبدية
وتسأل : صحيح أن العلم الاجمالي تقوم به الحجة في تبليغ الأحكام تماما كالعلم التفصيلي ، ولكنه مع هذا لا يكشف عن الواقع كشفا تاما كما هو شأن العلم التفصيلي ، وعليه فلا مانع عقلا أن يأذن الشارع بارتكاب بعض أطراف الشبهة التحريمية المحصورة التي نحن بصددها ، ويأمر بالابتعاد عن البعض الآخر
