حكم العقل حيث لا بد من أحدهما ، ولا مرجح له ، والبراءة طرح للاثنين ، ويستأنس للتخيير بما دل عليه في تكافؤ الخبرين المتعارضين من كل وجه.
التحذير من التخيير
وتسأل : دوران الأمر بين الوجوب والحرمة معناه الدوران بين محذورين ، بين طلب ايقاع الفعل في الخارج وطلب عدم ايقاعه ، ولا أحد يستطيع أن يفعل الشيء وأن لا يفعله في آن واحد ، بل إما أن يفعل واما أن لا يفعل ، والشارع الحكيم لا يطلب ايقاع الفعل وعدم ايقاعه معا لأن ذلك ممتنع لذاته فيمتنع التكليف به ، وهذا خارج عما نحن بصدده لأنه تكليف بما لا يطاق.
وأيضا يجب أن يخرج عن البحث الأمر بالتخيير بين ايقاع الفعل وعدم ايقاعه لأن هذا التخيير حتم لا مفر منه بحكم الواقع وقانون الطبيعة ، وعليه يكون التكليف به لغوا وعبثا وتحصيلا للحاصل ، والشارع الحكيم منزه عن مثله. واذن فلا وجه ولا معنى للقول بالتخيير.
الجواب :
أجل ، ان التخيير بين محذورين حتم لا مفر منه حيث لا ثالث ، أما اختيار واحد منهما بخصوصه والالتزام به وحده والاستمرار عليه ـ فلا حتم فيه ولا جبر ، كيف؟ ولو منعنا اختيار واحد من الاثنين لكان ذلك إنكارا لأصل التخيير والغاء له من الأساس بعد أن فرضنا وجوده ، وانه هو بالذات موضوع البحث والكلام.
هذا إلى أن كل المباحات والمستحبات والمكروهات هي تخيير بين الفعل والترك اللذين لا ثالث لهما ولا مفر من أحدهما ، وإذا كان الأمر بالتخيير فيما نحن فيه لغوا وعبثا فيجب أيضا أن تكون أحكام الإباحة والندب والكراهة لغوا وعبثا وتحصيلا للحاصل ، وان يكون تقسيم الحكم الشرعي إلى خمسة بدعة وضلالة.
وتجدر الإشارة إلى أن الشرط الأساسي في التخيير ـ بناء على صحته ـ هو
