فلا نرى أي بأس في هذا الاحتياط ، ونعتقد بحسنه شرعا وعقلا بشهادة الفطرة والبديهة والنصوص المؤيدة والمحبذة بعد العلم بأن هذه العبادة مشروعة في دين الله ، وان فاعلها حريص على مرضاته تعالى ، وأن الامتثال يكون بالعلم تارة ، وبالظن طورا ، وحينا بالاحتمال ، على حسب حال المكلف ، كما سبقت الاشارة. وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء قولا وعملا.
وقال قائل : إن الفقهاء لم يفتوا بجواز الاحتياط في العبادة لمجرد الشك فيها واحتمال وجوبها كيف اتفق ، ومن أي مصدر جاء وحصل ، كلا ، وانما أفتوا بالاحتياط في العبادة شريطة أن يتولد احتمال وجوبها أو الأمر بها من خبر ضعيف دل على وجوب هذه العبادة ، حيث تكون ، وهذي هي الحال ، مستحبة بنفسها ومطلوبة بالذات ، وليس من جهة الاحتياط ، وعليه يصح ـ كما يدعي هذا القائل ـ الإتيان بها مطلقا حتى ولو لم يقصد بها الأمر المحتمل. اما المبرر للأخذ بالخبر الضعيف مع العلم بوهنه ـ فقاعدة التسامح بأدلة السنن التي لها مدركها في الأخبار الصحيحة. وفي التنبيه التالي نتحدث عن هذا التسامح وضعفه.
التنبيه الثاني
التسامح بأدلة السنن
المراد بالسنن هنا المستحبات ، أو كل ما هو مشروع في مقابل البدعة ، والمراد بالتسامح في أدلتها أن كل ما دل خبر الضعيف على رجحانه واستحبابه فهو راجح ومستحب تماما كما لو دل عليه خبر الثقة وغيره من الأدلة الصحيحة. وليس معنى هذا أن خبر الضعيف حجة ، كلا ، لأن الحجة لا تتجزأ ، بل معناه أن الضعيف يقدّم البلاغ ويوجده ، وان في البلاغ من حيث هو مصلحة تبرر العمل به أيا كان المخبر والمبلّغ.
هذا ما نسب إلى المشهور ، واستدلوا عليه بروايات ، منها : «من بلغه عن النبي (ص) شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له ، وان كان رسول الله (ص) لم يقله». ووجه الدلالة أن الثواب مترتب على العمل بعد البلاغ ، وان العامل استحق هذا الثواب على طاعته ، ولا طاعة إلا مع وجود الأمر ،
