والإجابة عن مجموع ما استدلوا به من الروايات بشتى طوائفها ـ بما يلي :
١ ـ إن المسألة التي نحن بصددها في الشك والتردد بين التحريم وغير الوجوب كما أوضحنا ، وليست مسألتنا هذه من الشبهات بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة ، لأن الفكرة انما تعد شبهة حقيقية وواقعا إذا كان حكمها مكتوما ومجهولا لا بيان فيه ولا دليل عليه من قريب أو بعيد ، والدليل هنا أي على حكم الشبهة التحريمية ـ قائم وصريح ، وهو الإذن بالفعل والترك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وبحديث الرفع ، وبالآيات التي في معناه. وتقدم ذكرها والكلام عنها بما فيه الكفاية.
٢ ـ إن الأمر بالاحتياط في الروايات كلها أو جلها انما هو ارشادي لا مولوي مثل من رعى حول الحمى أو شك أن يقع فيه ، ومن المقرر أن أمر الإرشاد لا إلزام فيه ، بل هو مجرد نصيحة لا يترتب عليه من حيث هو ثواب ولا عقاب.
٣ ـ لا قائل حتى من الإخباريين بوجود الملازمة الحتمية بين فعل المشتبه وإصابة الحرام ، بل قد يصيبه وقد يخطئه ، وعليه فلا يسوغ بوجه أن نحمل قول المعصوم : «من أخذ بالشبهات وقع في الحرمات» نحمله على العموم لكل شبهة بعد الفرض ان بعض الشبهات بعيدة كل البعد عن المحرمات ، واذن لا بد من حمل الشبهات في الرواية على البعض دون الكل كالشبهة المحصورة التي يكون التكليف بها معلوما والمكلف به مجهولا ، وكالخوض في الغوامض والمشكلات التي سكت الله عنها ، ومنها الحديث عن الذات القدسية وما يتصل بها مما لا يجب التدين به. قال الإمام الباقر (ع) : «اياكم والتفكر في الله .. انظروا إلى عظيم خلقه». وفي رواية ثانية «تكلموا في خلق الله ، ولا تتكلموا في الله».
٤ ـ يأتي بعد قليل أن الاخباريين لا يوجبون الاحتياط في الشبهة التحريمية الموضوعية مع أن الروايات التي استدلوا بها تعم هذه الشبهة وتشملها.
وأيضا استدل الاخباريون بالعقل على وجوب الاحتياط هنا ، وبيانه ، كما قرروه في أسلوبين : الأول ان المكلف الراشد يعلم اجمالا بوجود العديد من المحرمات المشتبهة ، وهذا العلم يوجب الاحتياط بحكم العقل القائل : العلم اليقيني بالتكليف يستدعي الامتثال اليقيني بإتيان المطلوب بالذات إن أمكن وإلا بإتيان جميع الأطراف المحتملة.
