لا عذاب إلا بعد قيام الحجة الواصلة الكافية ، ونفي العذاب الأخروي والدنيوي يكشف عن التوسعة والرخصة بالفعل والترك ، ولا معنى للبراءة وراء ذلك.»
والحق أن هذه الآية أبعد ما تكون عما نحن بصدده ، لأنها تدل بصراحة أن كلمة العذاب حقت على من علم بالحق وقامت عليه الحجة اللازمة ، ومع هذا تمرد وعاند ، وأين هذا من وظيفة الجاهل بأحكام الله وهل عليه أن يحتاط؟ كما هو الفرض؟. وليست سائر الآيات التي استدل بها الاصوليون ، أوضح في الدلالة من هذه الآية ، بالإضافة إلى أن الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط يعترفون بأنه لا عقاب بلا بيان ، ولكنهم يدّعون وجود النص والبيان على وجوب الاحتياط ، واذن يجب على القائلين بالبراءة أن يبطلوا هذه الدعوى ، ويثبتوا نفي الدليل على الاحتياط في مقام الشك في التحريم.
حديث الرفع
وأيضا استدل الأصوليون بأحاديث ، منها المعروف بحديث الرفع ، وهو «رفع عن أمتي تسعة أشياء : الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا اليه ، والطيرة والحسد والوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».
وهذا الحديث يدل بظاهره على أن التسعة المذكورة كلها مرفوعة من الأساس عن أمة محمد (ص) والواقع العياني المحسوس ينفي ذلك ويرفضه ، وعليه فلا بد من التأويل تصحيحا لكلام العليم الحكيم ، فبأي شيء نؤوّله ونفسره؟.
ويمكن الجواب عن هذا السؤال بصفحات طوال عراض ، كما فعل الأنصاري والنائيني ، وأيضا يمكن الجواب عنه بأسطر ، ونختصر ما أدركناه وفهمناه بأن المراد بالرفع هنا دفع المؤاخذة قبل ثبوتها ، ويكون المعنى أن الله سبحانه لا يحاسب ويعاقب على ترك الشيء أو العمل به تكليفا كان أو مكلفا به ما دام الفاعل أو التارك مخطئا أو ناسيا أو جاهلا أو عاجزا أو مكرها أو مضطرا أو حاسدا أو متطيرا أو موسوسا ، أبدا لا يؤاخذ واحدا من هؤلاء ، شريطة أن لا يكون مقصرا ومتهاونا فيما يطلب منه ، وأن لا يبغي إذا هو حسد ، وأن يمضي إذا تطير ، وان لا ينطق بسوء إذا وسوس الخنّاس في صدره.
