فتختص بالأمارة لأن المجتهد يبذل كل ما يملك للبحث عن الدليل الظني المعتبر بالحكم الشرعي. ويجوز أن يطلق على الأصل كلمة الحجة حيث يحتج به الفقيه إذا أورده في مورده.
ومن كل ما تقدم يتبين لنا أنه لا تعارض ولا تخصيص بين الأصل والدليل ، لأن الدليل متقدم ذاتا على الأصل ، والأصل متأخر رتبة عن الدليل ، ومعنى هذا أنهما لا يجتمعان ولا يتواردان على موضوع واحد حتى في عالم الجواز والإمكان ، لأنه مع وجود الدليل لا موضوع للأصل ، والأصل لا يوجد إلا بعد اليأس من وجود الدليل. ومن هنا قال أهل النظر والتحقيق : ان الأصل خارج عن الدليل موضوعا وتخصصا لا حكما وتخصيصا.
الأصول الأربعة
الأصول كثيرة العدد ، وشرحها يطول ، والجامع بين شتاتها أنها وظيفة للجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظن المعتبر. أما الفرق بين أصل وأصل فيعرف من مورد الجهل وما وقع عليه الشك ، والقصد الأول من حديثنا الآن وما بعده هو الأصول الشهيرة الأربعة : البراءة والتخيير والاحتياط والاستصحاب ، وقد يجري الحديث عن غيرها ولكن استطرادا وبالمناسبة.
وتسأل : ولما ذا الاهتمام بالأصول الأربعة دون سواها؟
الجواب :
لأنها عامة تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية ، وفي كل كتاب وباب من كتب الفقه وأبوابه ؛ أما غيرها من الأصول فإن عم وشمل الشبهة الحكمية والموضوعية اختص بباب واحد من أبواب الفقه كأصل الطهارة فإنه خاص بها ، بالإضافة الى أنه محل وفاق بين الجميع. وعلى فرض دخول أصل ما في أكثر من باب ـ فإنه يختص بالشبهة الموضوعية وحدها كأصل الصحة في فعل النفس والآخرين.
وهناك بعض الأصول لا تجري إلا في مسألة واحدة فقط كالحرية في الانسان ، وأصل الولد للفراش. ومن هنا جاء الاهتمام بالأصول الأربعة دون سائر الأصول.
