ومعنى الكشف هنا أن العقل يستخلص ويكتشف من مقدمات الانسداد أن الشارع هو الذي جعل واعتبر الظن طريقا لطاعته وامتثال أمره دون أن يحكم العقل بشيء سلبا ولا ايجابا ، لأنه أداة كاشفة لا سلطة حاكمة.
ومعنى الحكومة أن العقل يحكم هنا بأن الشارع يقبح في حقه أن يطلب من المكلّف الطاعة بغير الظن بعد أن انسد في وجهه باب العلم. وأيضا يحكم العقل مستقلا بأن المكلف لا يسوغ له أن يترك الامتثال بالظن إلى الامتثال بالشك أو الوهم ما دام الظن ميسورا أو ممكنا.
ونحن مع صاحب الكفاية في قوله بالحكومة دون الكشف ، لأن مقدمات الانسداد بمجموعها تدور حول الطاعة والخروج عن عهدة التكليف ، وتفرض أن المكلف عاجز عن الامتثال العلمي ، وأن الاحتياط ليس بواجب ، وان الرجوع إلى أصل البراءة ليس بجائز ، وان الظن هو المتعين ، وان العقاب على العمل به قبيح بحكم العقل ، وأقبح منه أن يمتثل المكلف بالشك والوهم مع قدرته على الامتثال بالظن ، وكل ذلك يعود إلى الطاعة ، وكل ما يعود إلى الطاعة فهو من وظيفة العقل دون الشرع ، وإن أمر الشرع بالطاعة فأمره ارشاد إلى حكم العقل ، وليس انشاء وتأسيسا.
القياس بين الشرع والعقل
وتسأل : من المقرر أن القواعد والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص ، وعليه فلو كان العقل مستقلا في الحكم بحجية الظن ـ كما ادعيت بناء على الانسداد ـ لما ساغ للشارع أن ينهى عن شيء من الظن أيا كان السبب الموجب له مع العلم بأن الشارع نهى عن القياس ، وأنكر أشد الإنكار على العاملين به حتى ولو حصل منه ألف ظن وظن ، فكيف نقض الشرع ما أبرم العقل وحرم ما أوجب؟ وكل الراسخين في علوم الإسلام قد أوجبوا تقديم ما يشير به العقل إذا تعارض مع ظاهر الشرع ، ومعنى هذا وجوب العمل بالقياس حتى ولو نهى عنه الشرع؟.
الجواب :
إن العقل هنا لا يحكم بحجية الظن مطلقا ومن غير قيد ، وإنما يحكم بحجية
