ومن جميع ما تقدم يتضح معنا ان الأمر بالأهم لا يقتضي ايجاد المأمور به بقيد عدمه وشرط معصيته وإلا كان المعنى افعل هذا وأنت عاص له وتارك ، وانما يكون الأمر في هذه الحال أمرا بتقوى الله والعدول عن المهم الى الأهم.
وأيضا يتضح ان الأمر بالأهم متقدم في الرتبة على الأمر بالمهم بأكثر من درجة. أولا لأن الأمر بالأهم باعث ومحرك على ترك المهم باعتباره معاندا لوجود الأهم. وليس من شك ان البعث علة أو في حكمها. ثانيا لأن معصية الأهم شرط للأمر بالمهم ، والشرط متقدم رتبة على المشروط ، والأهم متقدم على معصيته هو. والمتقدم على المتقدم متقدم بقياس المساواة ، ومع التقدم في الرتب والدرجات من أين يأتي اجتماع الأمرين المستلزم لإيجاب الجمع بين الضدين؟ وبالتالي فلا شك وإشكال في صحة الترتب.
المقدمة الخامسة
هذه المقدمة أطول من شهر الصيام في حديث النائيني ، وفيها الكثير من المطالب والجوانب ، ولا سبيل الى ضغطها في صفحة أو صفحتين كسائر المقدمات لذا نكتفي منها بالآتي :
من تتبع الشرع الاسلامي يجد فيه نوعا من الخطاب يرفع بوجوده موضوع خطاب آخر ، كوجوب وفاء الدّين ، فإنه بنفسه لا بامتثاله رافع لموضوع وجوب الخمس من الأساس. وهذا النوع من الخطابات الشرعية خارج عن مسألة الترتب حيث لا يوجد إلا خطاب واحد ، وهو وجوب وفاء الدّين وكفى.
وأيضا يجد نوعا من الخطاب يرفع بامتثاله لا بنفسه موضوع خطاب آخر كوجوب إنقاذ الغريق ، فإنه رافع لموضوع وجوب الصلاة في ظرف عملية الانقاذ فقط لعجز المكلف عن امتثال الخطابين بعد الفراغ والعلم بوجود كل منهما. وهذا من صميم الترتب لأن كلا من الخطابين تجب طاعته فعلا لو لا المزاحمة في مقام الامتثال ، وفي هذه الحال يقع البحث : هل اجتماع خطاب الانقاذ وخطاب الصلاة في آن واحد ـ يقتضي إيجاب الجمع بين الضدين حتى يكون تكليفا بالمحال ، أو لا يقتضيه؟.
والحق انه على القول بالترتب لا يلزم إيجاب الجمع بين الضدين في مرحلة
