وقد تحدث النائيني حول الترتب ، وأولاه المزيد من الاهتمام والعناية ، وقال فيه الكثير كمدافع عنه في خمس مقدمات بلغت ثلاثين صفحة أو أكثر ، وأمضيت مع طلاسمها أمدا غير قصير ، ثم اخترت من كل مقدمة ما هو ألصق بالترتب وأنفع ، وذكرت ما اخترت أيضا في مقدمات خمس تماما على نهج النائيني وترتيبه لدرجاتها.
المقدمة الأولى
إذا ورد في الشرع خطابان يؤديان في النهاية إلى إيجاب الجمع بين الضدين ، وتكليف الانسان بما لا يطاق ، إذا كان الأمر كذلك نظرنا الى السبب الموجب لهذه النهاية المستحيلة ، فإن كان السبب فعلية الخطابين لا إطلاقهما وظهورهما ـ فالواجب واحد لا بعينه إلا أن تكون مصلحة أحدهما أقوى وأهم فيتعين.
وقيل : إذا كانت مصلحة الاثنين بمنزلة سواء يسقطان معا! وليس هذا بسديد بعد أن كان في كل من الخطابين مصلحة كافية لوجوبه ولو لا المزاحمة الطارئة العارضة لوجبت طاعته وامتثاله كما هو الفرض ، وليس من شك ان محذور التكليف بالمحال يرتفع بالتخيير والعمل بأحدهما ، وهو خير من طرحهما معا ، لأن الضرورة تقدر بقدرها ، ولا يجوز الاسترسال في طرح الخطابات الشرعية أكثر مما تدعو اليه الحاجة والضرورة.
وتسأل : ما معنى فعلية الخطاب؟ الجواب : معناه أن التكليف جامع لكل الشروط التي توجب العمل به ، وانه لا مبرر لتأويل ظاهر الدليل الدال عليه وصرفه عنه الى غيره.
هذا إذا كان السبب للتكليف بالمحال هو تنجيز التكليف بالفعل ، أما إذا كان السبب مجرد ظهور الخطابين وشموله لمورد كل من الضدين فيجب عندئذ التصرف بظاهر أحدهما وتقييده بترك الآخر على سبيل التخيير ان استوى الاثنان في المصلحة والأهمية ، وان كانت مصلحة أحدهما أقوى وأهم وجب تقييد المهم وحده بترك الأهم وعصيانه. هذا هو بالذات معنى الترتب الذي لا يستلزم إيجاب الجمع بين الضدين ، والتكليف بالمحال. وفيما سبق قدمنا أكثر من مثال على الترتب ، ويأتي أيضا في المقدمة التالية وغيرها.
