أما (السياق) ، فإن الحديث عند ما يكون عن الإنسان وأصل خلقه مما يشبه العدم ، وسنة وجوده ، وتعدد طريقه ، يشكل كل ذلك قرينة يفهم منها أنّ الغرض من هذا الحديث هو بيان الغرض من هذه الخلقة ، ويؤيده ما جاء في قوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (١) ، وما ورد في نهاية قصة خلق آدم ، من قوله تعالى : (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢).
وأما (طريقة العرض) ، فيلاحظ فيها ـ في البداية ـ تقديم عنوان الشاكر على الكافر ، ولعل ذلك لشرفه على الكافر ، ولكن في الحديث عنهما قدم الحديث عن الكافر على الحديث عن الشاكر ، في قوله تعالى : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً) (٣) ، ولكن جاء الحديث عنه بصورة مختصرة ، أما الحديث عن الشاكرين ، فقد جاء فيه تفصيل ، مما يشعر بأنّ الهدف الأساس من السورة هو الحديث عن الشاكرين.
وتتضح هذه القرينة عند ما نقارن هذا المقطع مع مقاطع قرآنية أخرى تحدثت عن هذين القسمين بشيء من التفصيل فيهما ، عند ما يكون المقصود بيان المشاهد الأخروية لهما معا ، كما يلاحظ ذلك في سورة الأعراف ، والزمر ، والغاشية ، وغيرها ، ففيهنّ قد اختلف العرض بصورة واضحة في التفصيل عن الكافرين دون المؤمنين ، مع تقديم الحديث عن الكافرين فيها.
وأما (تأكيد الحديث) في وصف الشاكرين ، فيلاحظ فيه أنّ القرآن الكريم استخدم :
__________________
(١) الذاريات : ٥٦.
(٢) البقرة : ٣٨ ـ ٣٩.
(٣) الإنسان : ٤.
