في علائم الحقيقة والمجاز
قد حقّقنا وأسلفنا الكلام في أنّ الألفاظ لا تستعمل في غير معناها الحقيقيّ أصلا ، مجازا كان الاستعمال أم على نحو الحقيقة ، والفارق بينهما هو إدّعاء الفرديّة في المجازات دون الحقائق كما عرفت تفصيله. ففي المجازات ينتقل الذّهن إلى المعنى الحقيقيّ أوّلا ويتجاوز منه إلى غيره.
وعلى هذا فمن علائم الحقيقة هو التّفكّر في أنّ الذّهن هل يتجاوز إلى غير ما انتقل اليه أوّلا أم لا؟ فإذا تجاوز عنه يعلم أنّ هذا إنّما هو بادّعاء في البين ويكون مجازا وإن لم يتجاوز بل ثبت على ما انتقل إليه أوّلا يعلم أنّ هذا هو المعنى الحقيقيّ وهذا من العلائم الحتميّة للحقيقة والمجاز عندنا فليعلم ذلك واحتفظ به.
التّبادر : ومن علائم الحقيقة التّبادر وهو من أهمّ علائم الوضع ويقال إنّه المائز الأهمّ بين الحقيقة والمجاز إلّا أن مقتضي التّحقيق خلافه ، لأنّ التّبادر هو نفس الوضع بالمعنى الّذي قلناه في حقيقة الوضع من أنّه جعل اللّفظ بحيث إذا سمع يفهم منه المعنى وقد عبّرنا عن ذلك بالدّلالة الشّأنيّة والتّبادر هو الانتقال الذّهنيّ والانتقال الذّهنيّ من اللّفظ إلى المعنى ليس إلّا الدّلالة الشّأنيّة وهي عين الوضع فالتّبادر هو الوضع لا أنّه من علائم الوضع. (١)
وبما ذكرنا من إنكار علاميّة التّبادر للوضع يظهر أنّه لا وجه لإشكال الدّور والجواب عنه أصلا ، لكنّه لا بأس بتقرير الإشكال والجواب حتّى يتّضح الأمر على المتعلّمين. فنقول :
__________________
(١) ـ هذا ما أفاده سيّدنا الأستاذ في درسه إلّا أنّ الّذي يخطر بالبال هو أنّ التّبادر فعليّة الدّلالة والوضع كما بنى عليه سيّدنا الأستاذ في محلّه هو شأنيّة الدّلالة والمراد بفعليّتها هو نفس الانتقال الذّهنيّ فعلا الّذي يعبّر عنه بالتّبادر فمن الممكن أن يكون فعليّة الشّيء من علائم شأنيته كما لا يخفى وأوردنا هذا الإشكال في درسه الشّريف فما وفّقت للجواب. (المقرّر)
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)