هو بسبب الارتباط والعلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى بحيث يصير اللّفظ لشدّة ربطه بالمعنى فانيا ومندكّا فيه حتّى إذا يسمع اللّفظ يحضر المعنى في الذّهن فكأنّ حضور اللّفظ عين حضور المعنى مع أنّ المسموع أوّلا والحاضر بالذّات لدى الذّهن ليس الّا اللّفظ وهو الّذي يتوجّه الذّهن إليه أوّلا وبالذّات وأمّا حضور المعنى فإنّما هو ثانيا وبالعرض أي بالجعل والاعتبار كما عرفت وهذا كما أنّ المرئي بالذّات هو النّور دون الأجسام والمرئيّ بالعرض هو الجسم ولكن لما كان المرئيّ بالذّات مغفولا عنه حين الإبصار فالملتفت إليه ليس إلّا سطوح الأجسام. كذلك الأمر في المسموعات إذا لمسموع بالذّات ليس إلّا الألفاظ دون المعنى لكن المسموع بالذّات حين إرادة المعنى كان أمرا مغفولا عنه فيكون المتلفت إليه في ذلك الحين هو المعنى.
فاللّفظ وإن كان ممّا يحضر في الذّهن أوّلا إلّا أنّ الغافلة عنه وعدم الالتفات إليه بالاستقلال إنّما هو لمكان اندكاكه وشدّة فنائه في المعنى بواسطة الجعل والاستعمال كما عرفت في حقيقة الوضع.
الثّانية : لا شكّ أنّ الوجود مساوق للتّشخّص بل عينه في الخارج والتّشخّصات مشوبة بالعوارض وأمارات التّشخّص الخارجيّ ، فكما أنّ وجود زيد محفوف في الخارج بالعوارض الخارجيّة والمشخّصات العرضيّة مثل الزّمان والمكان وغير ذلك ، كذلك وجود اللّفظ مقرون بالعوارض وأمارات التّشخص الخارجيّ مثل صدوره عن اللّافظ وزمان صدوره وكيفيّة صدوره ومكان إصداره ومن يصدر عنه ومن يتوجّه إليه الكلام وغير ذلك من الخصوصيّات ولكن جميع هذه الخصوصيّات مغفول عنها في ذهن المخاطب السّامع عند سماعه إلّا صرف وجود اللّفظ فإذا قيل ضرب يكون ساعة صدوره وكيفيّة صدوره ومن يصدر عنه هذا اللّفظ كلّها مغفول عنه عند المخاطب وما كان متوجّها إليه المخاطب هو صرف وجود هذا اللّفظ وإن كان مشوبا بالعوارض الخارجيّة خارجا.
وعلى هذا إذا تكرّر اللّفظ من اللافظ لا يكاد يتصوّر المخاطب شيئا غير ما تصوّر أوّلا إذ
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)