وأمّا اللّحاظ الذّهني فهو على نحوين : تارة يلاحظ عين ما يكون واقعا في الخارج بدون تصرّف وانتزاع من الذّهن وذلك بأن يلاحظ هذا الامتداد المعيّن المتناهي الطّرفين بالبصرة والكوفة مستند إلى الفاعل السّائر من دون تعقّل الوصف الانتزاعيّ من الأوّليّة والآخريّة والصّدور ممّا لا حقيقة لها في الخارج فتكون حينئذ القضيّة المعقولة حاكية عمّا هو الواقع في الخارج فتكون تامّة الأجزاء مرتبطة الأجزاء بعضها ببعض كما تكون في الخارج عينا فكأنّ الصّورة الذّهنيّة عين الوجود العينيّ الخارجيّ ، فيكون هاهنا نفس هذا الرّبط بين السّير والبصرة والرّبط بين السّير والكوفة وبين السّير والفاعل أي نفس تناهي السّير وانقطاعه المعقول في الذّهن مستند إلى الفاعل يعني من وإلى والإضافة الفاعليّة المستفادة من سرت. هذا إذا كان اللّحاظ الذّهني مطابقا لما وقع في الخارج طابق النّعل بالنّعل. وتارة أخرى لا يلاحظ كذلك بل يلاحظ علاوة على المفاهيم الّتي لها وجودات خارجيّة مفاهيم أخرى انتزاعيّة أي المفاهيم المنتزعة عن الخصوصيّات والتّعينات الخارجيّة مثلها إذا لاحظ اللاحظ علاوة على السّير والبصرة والكوفة والفاعل مفاهيم الأوّليّة والآخريّة والصّدور فالمعقول في هذا اللّحاظ سبعة أمور كلّها متشتّتة متفرّقة لا ربط بينها أصلا وذلك مثل أن يقول القائل : السّير والبصرة والكوفة والفاعل والأوّليّة والآخريّة والصّدور.
ومعلوم أنّ تلك المفاهيم المتفرّقة ليست إلّا التّصورات الذّهنيّة الّتي تصلح لأن تكون قضيّة حاكية عن الواقعيّات في الخارج.
اللهمّ إلّا أن ينضمّ إليها روابط يرتبط بين هذه المفاهيم بأن يقال أوّل سيري صدر منّي من البصرة وأخر سيري وانتهائه إلى الكوفة فحينئذ لوحظ أيضا السّير الخاصّ الخارجيّ المنقطع الطّرفين فتكون القضيّة أيضا حاكية عن نفس الأمر. وخلاصة الكلام أنّ تعقّل ما يكون واقعا في الخارج هو بعينه تعقّل الأشياء المرتبطة بعضها ببعض وتكون الرّوابط بينها هي حقيقة الرّبط وما هو بالحمل الشّائع ربط لا الرّبط بالحمل الأوّلي والأوّليّة والآخريّة والصّدور ليست إلّا صرف مفاهيم الرّبط ومفاهيم الرّبط لا توجب الارتباط بين المفاهيم
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)