وأمّا ما ذكره صاحب الحاشية على المعالم فهو ممّا لا ينبغي صدوره عنه اصلا. فإنّ المعانى الإنشائيّة ما توجد في عالم الاعتبار بحيث لا تكون حقيقتها إلّا حقيقة اعتبارية صرفه لا يكون بحذائها وجود في الخارج أصلا مثل الملكيّة والزّوجيّة والرّقيّة وأمثالها.
وأمّا المعانى الحرفيّة فلها وجودات حقيقيّة ولو بوجود منشأ انتزاعها فليست تلك المعاني بصرف الجعل والاعتبار وذلك ممّا لا يقبل الإنكار البتّة.
وأمّا ما أفاده الآخرون ممّن نقلنا كلامهم فتمامها لا يخلو عن التّأويل وارتكاب المشقّات والتّكلّفات الّتي لا تزيد المتعلّمين إلّا كلالا.
نعم ، يمكن إرجاع بعض هذه المقالات على ما نحن بصدد تحقيقه فنقول وعلى الله التّكلان :
إنّا إذا انسلخنا أذهاننا عن الألفاظ ونظرنا في مثال «سرت من البصرة إلى الكوفة» ، لا نرى في الخارج إلّا السّير الممتدّ الواقع من البصرة إلى الكوفة ومدينة البصرة ومدينة الكوفة والفاعل الّذي صدر منه السّير وأمّا أوليّة السّير وآخريّته وجهة الصّدور فليس بحذائها شيء في الخارج وراء تلك الأمور الخارجيّة الّتي ذكرناها.
نعم هذا الامتداد المعيّن الّذي يقال له السّير إذا وقع في الخارج كان له حدّ هو الانقطاع والتّناهي في طرفيه المحاذي أحدهما بالبصرة والآخر بالكوفة فتعيّن امتداد السّير بالبصرة والكوفة إنّما هو بانقطاع طرفيه وتناهيهما المحاذي أحدهما بالمبدإ والآخر بالمقصد وهذا التّناهي والانقطاع الخارجيّ إنّما هو منشأ انتزاع مفهوم الأوّليّة والآخريّة كما أنّ صدوره من الفاعل منشأ لعنوان الصّدور وهذا ليس إلّا الانتزاع في العقل.
وأمّا في الخارج فليس بحذاء نفس الأوّليّة والآخريّة والصّدور أشياء متحصّلة كما يكون بحذاء مفهوم السّير والبصرة والكوفة والفاعل أشياء متحصّلة في الخارج. هذا هو الّذي في الخارج مع قطع النّظر عمّا يوجد في الذّهن.
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)