سقوط الأمر هاهنا عن الفعليّة لأقوائيّة قائمة في النّهي ، لكنّه مع هذا لا يمنع سقوط الأمر عن وقوعه على وجه الصّحّة مع فعليّة النّهي التنزيهيّ لما عرفت أنّ النهي التنزيهيّ ليس كالتحريميّ بحيث يوجب عدم إمكان التقرب بالمأمور به والمفروض أنّ الحيثيّة الّتي تكون ذات مصلحة تامّة الأجزاء والشرائط وفاقدة للموانع وليس قصد الأمر من الشرائط فيقع صحيحا بقصد الحسن الذاتيّ القائم فيها وإن كان ذلك العنوان مصاحبا لحيثيّة وجوديّة أخرى لها مفسدة قائمة فيها كما لا يخفى. فافهم واغتنم.
الثامن : قد وقع الخلاف بين الأعلام بأنّ من توسّط في الأرض المغصوبة إذا فرض دخوله غصبا ويكون التخلّص منحصرا بالغصب والتصرف أيضا هل يكون تخلّصه هذا حراما أو واجبا؟ وعلى فرض الوجوب يجرى حكم المعصية عليه أو لا؟ أو يكون حراما وواجبا؟ على أقوال. وهذه المسأله من المسائل المهمّة. وعلى كلّ حال ، من توسّط في الأرض المغصوبة فلا يخلو إمّا أن يكون اضطراره هذا بسوء اختياره أو لا بسوء اختياره وعلى الثانى فلا إشكال في رفع حرمته بل يجب التخلّص بلا مزاحمة لحرمة الغصب أصلا من دون عقاب يترتّب عليه.
قال شيخنا الأستاذ في الكفاية : «الاضطرار إلى ارتكاب الحرام يوجب ارتفاع حرمته والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه لو كان مؤثّرا ... الخ» وظاهر كلامه هو أنّ الاضطرار يوجب رفع الحرمة ورفع العقوبة ، ولو كان له ملاك الوجوب ليؤثّر حينئذ في الإيجاب ويصير بالاضطرار إلى الحرام واجبا فعلا. وأنت خبير بأنّ الاضطرار يوجب رفع فعليّة الحرمة وارتفاع العقوبة عليه وأمّا أقوائيّة مفسدته فليست ممّا يرتفع بالاضطرار فهي باقية على وجه الأقوائيّة من المصلحة القائمة في جهة الوجوب ، فمع هذا كيف يمكن فرض فعليّة الإيجاب؟ وهذا نظير شرب الخمر الذي له مصلحة ومفسدة ولكن إثمه أكبر من نفعه فلو فرض الاضطرار إلى شربه فلا يوجب ذلك إلّا رفع حرمته فعلا والعقوبة عليه وأمّا فعليّة الإيجاب والتأثير في الوجوب فلا يمكن الالتزام به وذلك لأنّ أقوائيّة المفسدة باقية على
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)