الثاني : كما أنّه قد اتّضح كفاية صرف المغايرة بين الحيثيّتين وأنّ الحيثيّة المتعلّقة للأمر غير الحيثيّة المتعلقة للنّهي ، كان بين الحيثيّتين عموم من وجه أو عموم مطلق ، فإنّ ما يحكم العقل باستحالته هو الحيثيّة الواحدة من جميع الجهات كما هو واضح.
الثالث : إنّه لو كان هناك مندوحة يمكن امتثال الأمر في غير ما هو مصداق للنّهي فإتيان العبد بسوء اختياره فيما هو طغيان وعصيان لمولاه ممّا يكون مستقبحا في نظر العقل ويحكم باستحقاقه العقاب ومن المعلوم أنّ هذا الاستقباح العقليّ لا ينافي امتثال ما هو متعلّق لأمر مولاه لو كان توصّليّا كما عرفت. وأمّا إن لم يكن مندوحة في البين بحيث لا سبيل للعبد إلّا إيقاع المأمور به فيما هو تصرّف في مال الغير بغير إذنه فلا يكون هنا تقبيح فاعليّ من ناحية العقل فيقع فعله على وجه الحسن وكذلك لو كان ناسيا أو جاهلا بالموضوع أو بالحكم على وجه القصور. وخلاصة الكلام أنّ استقباح العقل إنّما هو مع فرض المندوحة واختيار الفرد المبغوض بسوء اختياره أو لم يكن له عذر الجهل والنسيان وأمّا لو كان له مندوحة أو لا يكون له عذر فلا يرى العقل صدور فعله عنه إلّا قبيحا ويحكم عليه بالقبح الفاعليّ لو كان ذلك بسوء اختياره.
الرابع : وممّا ذكرناه يعلم أنّه لا يمكن تقييد النّهي فيما إذا كان له مندوحة فإنّ تقييد النّهي وتغليب جانب الأمر حينئذ يكون بلا مقيّد ولا وجه ، بداهة أنّه لا معنى لتقييد النّهي مع إمكان امتثال أمره في غير المنهيّ عنه. فما أفاده شيخنا الأستاذ في الكفاية بقوله «وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلّا أنّه لا معصية في إتيانه بناء عليه» منظور فيه لما عرفت أنّ تقييد النّهي مع وجود المندوحة كما هو محلّ كلامه بلا تقييد. نعم ، لو لم يكن للأمر مندوحة أصلا فللتقييد وجه.
الخامس : كما أنّه يتّضح أيضا إمكان أن يقال : إنّ كلّ ما كان بينهما عموم من وجه يرجع إلى العموم المطلق فإنّ النواهي كما عرفت إنّما هو على سبيل الانحلال بحيث يكون لكلّ فرد من أفراد الطبيعة المزجور عنها نهي على حدة بخلاف الأوامر فالفرد من الغصب الذي يجامع
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)