البحث في اجتماع الأمر والنّهي
وقبل الخوض في جوهرة الكلام لا بدّ من تحرير محلّ النّزاع وما يكون موردا للنفي والإثبات والاستحالة والجواز فنقول مستعينين بالله تعالى :
إنّا قد أشرنا سابقا فيما امضيناه أنّ البعث الصادر عن الباعث أو الزّجر الصادر عنه له نحو إضافة قائمة بنفس ذات الامر بالقيام الصدوريّ ونحو إضافة أخرى متعلقة بالشخص المكلّف ونحو إضافة ثالثة متعلّقة بالفعل المكلّف به. ومن الواضح أنّ الضرورة العقليّة قاضية وحاكمة بالحكم البتي أنّه لا يمكن اتّحاد تلك الإضافات البعثيّة والزّجريّة بأسرها بحيث يكون الامر والزّاجر واحدا والشيء الذي تعلّق به الزّجر والبعث واحدا والمكلّف الذي توجّه إليه الخطاب البعثيّ والزجريّ واحدا ويكون في ان واحد. هذا من المستحيلات العقليّة البدويّة الّتي لا كلام فيها. إنّما الإشكال والكلام فيما إذا كان الشيء الذي تعلّق به البعث حيثيّة والشيء الذي تعلّق به الزّجر حيثيّة أخرى ويكون بين هاتين الحيثيّتين عموم من وجه الذي هو المتيقّن من محلّ النزاع على ما سيجيء فحينئذ قد يجتمعان في موضوع واحد بسوء اختيار المكلّف. ولكنّه يمكن للمكلّف امتثال كلّ واحد منهما على نحو الافتراق بحيث لا يجتمعان إلّا أنّه إذا اختار بسوء اختياره ما هو مجمع الحيثين فهل يكون هذا المجمع ممّا تكون الإضافات البعثيّة والزّجريّة كلّها متحدة كي يستقلّ العقل بالاستحالة والامتناع؟ أو لا يكون من هذا القبيل بل لا تكاد تتّحد الإضافات البعثيّة والزجريّة حتّى في مادّة الاجتماع؟
هذا هو المدار للبحث ، والمجوّز يدّعي أنّه لا تتّحد الإضافات حيث إنّ المفروض هو تغاير الحيثيّة المتعلّقة لأحدهما مع ما هو المتعلّق للآخر فيكون ما يضاف إليه البعث غير ما يضاف إليه الزّجر ، والممتنع يدّعى خلاف ذلك حيث يقول : إنّ الحيثيّتين وإن كانتا
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)