الكلام في الواجب التّخييريّ
كان القدماء من مخالفينا الّذين سبقونا في تدوين الأصول وتحرير موضوعات مسائله قد قرّروا في كتبهم في تعريف الواجب مطلقا بأنّه هو الّذي يستحقّ فاعله الثّواب وتاركه العقاب. فأشكل عليهم الأمر في الواجب التّخييريّ وتصوير الجامع بينه وبين التّعيينيّ حيث إنّ الواجب التّخييريّ مع كونه واجبا حقيقيّا لا يكون تاركه بحيث يستحقّ العقاب مطلقا فلا يصدق عليه ما قرّروه في تعريف مطلق الواجب فقالوا في تعريفه : إنّ الواجب الّذي يستحقّ فاعله الثّواب وتاركه العقاب هو الواحد المعيّن عند الله تعالى وإن كان غير معيّن عندنا قبل إتيان الفاعل. وقال الآخر : إنّ الواجب هو أحدهما لا بعينه. إلى غير ذلك من التّعاريف.
وأمّا أصحابنا الإماميّة فلمّا توجّهوا إلى الفرق بين الوجوب التّعيينيّ والتّخييريّ وأنّ الوجوب التّعييني هو تحتّم المولى عبده بإتيان شيء والوجوب التّخييريّ هو تحتّم المولى عبده بإتيان شيئين أو الأشياء على سبيل التّرديد النّفس الأمرى ، زادوا على تعريف الواجب التخييريّ بأنّه هو الّذي يستحقّ تاركه لا إلى البدل العقاب. فالوجوب التخييريّ حقيقة هو إيجاب المولى عبده نحو شيئين أو أشياء على سبيل الترديد النفس الأمريّ وتعلّقه بالأطراف على وجه التّرديد الواقعيّ كتردّد العلم الإجماليّ بين الأطراف.
وليعلم أنّ ترديد الوجوب هاهنا ترديد واقعيّ كما أشرنا إليه. والتّرديد في المعلوم بالعلم الإجماليّ ترديد ظاهريّ وإن كان التّرديد في نفس العلم ترديد واقعيّ أيضا. لا يخفى المراد بقولهم : لا إلى البدل. في تعريف الوجوب التّخييريّ ليس هو البدل في قبال الأصل كما هو
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)