وهذا الإشكال مختصّ بالطّهارات الثّلاث وأمّا ساير المقدّمات الغير العباديّة فالمقدّميّة لا تتوقف فيها على قصد أمرها بل مقدّميّتها بذواتها فيترشّح الأمر إليها بملاك مقدّميّة ذواتها من دون إشكال فيه. هذا ، وأنت بعد التّأمّل فيما ذكرناه تعلم أنّ هذا الإشكال ممّا لا سبيل إليه على ما ذكرناه ونحن ـ بحمد الله وتوفيقاته ـ بمعزل عن ورود هذا الإشكال لما عرفت منّا أنّ استحقاق الثّواب للعبد إنّما يتوقّف على امتثال أمر المولى وأداء وظيفة عبوديّته كما هو مقتضى حكم العقل في امتثال الأمر النّفسيّ فإنّ العبد الّذي امتثل واجبه النّفسيّ محرّكا ومنبعثا عن أمر المولى فالعقل يحكم بأنّه العبد الّذي يكون في مقام أداء وظيفة العبوديّة وهو مأجور مثاب عند الله تعالى ، إمّا تفضّلا كما قلناه أو استحقاقا ، وهذا الحكم العقليّ أو العقلائيّ ثابت بعينه في امتثال المقدّمات بقصد امتثال ذيها بدون احتياج إلى أمر على حدة غير ما تعلّق بنفس ذي المقدّمة فإنّ العبد الّذي يأتي بمقدّمات الواجب بما أنّه في طريق امتثال مولاه وفي مقام أداء وظيفة عبوديّته مأجور ومثاب عقلا فإنّه يصدق عليه أنّه العبد الممتثل لأمر مولاه. إذا عرفت هذه المقدّمة فقد عرفت أنّ امتثال المقدّمات وقصد التقرّب بها لا يتوقّف على فرض الأمر المقدّمي كي يقال إنّ ترشّحه من الواجب النّفسي إنّما يكون بملاك المقدّميّة بل من الممكن جدّا قصد التّقرّب بها ولو قلنا بعدم الوجوب الغيريّ أصلا فإنّ التّقرّب بها كما عرفت لا يتوقّف على تعلّق الأمر بها بملاك المقدّميّة. وخلاصة المقال أنّ الإشكال في الطّهارات الثّلاث يمكن أن يقرّر على وجهين ويكون لكلّ واحد من الوجهين جواب برأسه.
أمّا الوجه الأوّل فهو من حيث ترتّب الثّواب على تلك المقدّمات مع ما عرفت أنّ الأوامر الغيريّة ممّا لا مثوبة ولا عقوبة عليها.
وأمّا الوجه الثّاني فهو من حيث إنّه يعتبر في تلك المقدّمات بخصوصها قصد التّقرّب والامتثال فلا بدّ من تعلّق الأمر الغيريّ بالطّهارات بداعي أمرها فيأتي الإشكال المعروف في الواجبات التّعبّديّة من كون الأمر داعيا إلى داعويّة نفسه ولا يتأتّى فيه الجواب الّذي
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)