فاعلم أنّ هذا الأمر الاعتباريّ حقيقته هو البعث والإغراء نحو المطلوب وبيانه أنّ المريد لوجود شيء في الخارج قد يتعلّق إرادته بإتيان الفعل مباشرة فإرادته تكون مبدأ لتحريك عضلاته وآلاته نحو المطلوب خارجا فيوجده ويحقّقه في الخارج وقد يتعلّق إرادته بإيجاد الغير مطلوبه ويبعثه نحوه فكأنّه يستخدمه ويجعله كعضلاته وآلاته الفعّالة فيحرّكه نحوه كتحريك عضلاته نحو الفعل في المباشرة.
وهذا البعث الإنشائيّ عبارة عن حقيقة الطّلب الجامع بين الوجوب والنّدب ، بداهة أنّه قبل هذا البعث أي قبل جعل الغير بمنزلة عضلاته الفعّالة لا يصدق على الامر أنّه طلب منه ولا على المأمور به أنّه المطلوب ولا على المأمور أنّه المطلوب منه ، فكلّ هذه المفاهيم إنّما تنزع عن نفس هذا البعث الإنشائيّ الاعتباريّ.
وبعد ذلك فالطّلب ينقسم إلى قسمين : طلب إلزاميّ إيجابيّ وطلب ندبيّ استحبابيّ. والكلام الآن في بيان ما به يمتاز كلّ منهما عن الآخر.
فنقول : امتياز الشّيء عن الشّيء إمّا بتمام الذّات بدون فرض جزء مشترك بينهما أو يكون الامتياز ببعض الذّات وهو ما يمتاز بالفصل الّذي هو جزء الذّات عن الحقائق الّتي يشترك معها في الجنس أو بمنضمات وعوارض غريبه أو بالزّيادة والنّقصان والشّدّة والضّعف كالخطّين المتمايزين بالطّول والقصر أو كالبياض للعاج والبياض للثّلج وفي القسمين الأخيرين كان ما به الامتياز عين ما به الاشتراك.
وأمّا امتياز الأمر الوجوبيّ مع الاستحبابيّ فإمّا يلاحظ الامتياز بينهما بالقياس إلى مباديهما ، أي يلاحظ مبدأ الوجوب بالقياس إلى مبدإ الاستحباب ، فلا شكّ أنّ مبدأ هما هو الإرادة والامتياز بين الإرادة الإيجابيّة والإرادة الاستحبابيّة ليس من قبيل الأوّل أي لا يكون بتمام الذّات ولا من قبيل الثّاني فلا يكون بجزء الذّات أيضا إن كان الفصل فيهما هو المنع من التّرك بمعنى الكراهة على التّرك أو الرّضاية إلى التّرك كما هو المعروف بين القدماء إذ الكراهة على التّرك في الإرادة الوجوبيّة والرّضاية إليه في الإرادة الاستحبابيّة ليس
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)