المفضي علما أو ظنّا أو احتمالا إلى ترك ذيها إذا فرض عدم ترتّب تركه على تركها في الخارج ليست إلاّ من باب التّجري والقول بحرمة التّجري ضعيف كما تقدّم سابقا ومنها قاعدة توقيفيّة الأحكام الشّرعيّة بأسرها ومنها حجّية الظنّ فإن قلت إنّ مقتضى قاعدة التّوقيف والتّوظيف هو السّكوت لا الحكم كما هو المدّعى قلت إنّ مقتضى التوقف والسّكوت عن الحكم بجواز العمل بالظنّ أو حرمته هو عدم جواز ترتيب آثار جواز العمل عليه وهذا المقدار كاف في المقام لكونه مساوقا لحرمة العمل في المعنى وفيه أنّ ترك التّمسّك في المقام بحرمة مخالفة الأصول اللاّزمة من العمل بالظّنّ بالفرض والاستناد إلى قاعدة التّوقيفيّة التي مرجعها إلى السّكوت لاحتمال حرمة العمل به أشبه شيء بالأكل من القفا ثمّ إنّ هذا كلّه على تقدير تقرير الأصل على وجه يفيد الحرمة وقد يقرّر على وجه يفيد الجواز وهو مضافا إلى ما أشار إليه المصنف رحمهالله بوجهين أحدهما الاستصحاب بتقريب أنه لا إشكال في جواز العمل بالظنّ في صورة الانسداد وإذا فرض انسداد باب العلم في حقّ شخص ثمّ شكّ في بقاء الانسداد لأجل وصوله إلى بعض كتب الأخبار مثلا فمقتضى الاستصحاب حينئذ جواز العمل بالظنّ وإذا ثبت جوازه في هذه الصّورة ثبت في غيرها بعدم القول بالفصل إذ العلماء بين مجوز له مطلقا ومانع منه كذلك لا يقال إن الأصل معارض بمثله إذ مقتضاه أيضا حرمة العمل بالظن فيما انفتح باب العلم ثمّ شكّ في بقاء الانفتاح لأنا نقول إنّ استصحاب الجواز مثبت واستصحاب الحرمة ناف والمثبت مقدّم عندهم على النّافي وفيه أنّ جواز العمل بالظنّ في صورة الانسداد أنّما هو من باب حكومة العقل والأحكام العقليّة كما سيأتي في محلّه غير قابلة للاستصحاب نعم لو كان جواز العمل في صورة الانسداد شرعيّا أو كان حكم العقل من باب الكشف دون الحكومة كان استصحاب الجواز حينئذ متجها إلاّ أنّه خلاف التحقيق وثانيهما ما يظهر من المحقّق القمي رحمهالله من كون مقتضى أصالة البراءة هو جواز العمل بالظنّ لأنّ هذا هو القدر المتيقن من التكليف الثّابت بتحصيل المعرفة بالأحكام الشرعيّة لأنّ وجوب تحصيل مرتبة الجزم مشكوك فيه فينفي بأصالة البراءة وقد ذكر نظير ذلك في تحصيل المعرفة بالعقائد وحاصله أنّ القدر المتيقّن من التّكليف الثّابت بتحصيل الاعتقاد بأصول العقائد هو الظنّ لكون وجوب التّحصيل الجزم مشكوكا فيه فينفي بالأصل وفيه أنّ تحصيل الاعتقاد الجزمي أو الظنّي بالأحكام الشّرعيّة أنّما هو من باب المقدّمة لامتثالها وسيأتي في محلّه عدم جريان أصالة البراءة في نفى التّكليف فيما لم يكن موردا للعقاب هذا إن أريد نفي وجوب تحصيل الاعتقاد الجزمي بأصالة البراءة وإن أريد نفي الحكم الواقعي الّذي أريد تحصيل الظنّ بامتثاله فهو ليس محلاّ لها لفرض ثبوت التكليف إجمالا بالأحكام الواقعيّة وأمّا قياس الفروع على الأصول فهو قياس مع الفارق لإمكان كون تحصيل الاعتقاد بأصول العقائد واجبا نفسيّا موردا للثّواب والعقاب فيكون موردا للبراءة بخلاف تحصيل الاعتقاد بالفروع لكونه من باب المقدّمة يقينا نعم يتم القياس لو كان تحصيل الاعتقاد مطلقا من باب المقدّمة فتدبّر (قوله) وفيه أنّ الأصل وإن كان ذلك إلخ لأنّ مرجعه إلى الاستصحاب العدمي في الحوادث المشكوكة إذ حجيّة الظنّ والتعبّد به وإيجاب العمل به من الأمور الحادثة فيستصحب عدمها فيثبت به ما كان مرتّبا على عدم هذا الحادث المشكوك فيه وهي حرمة العمل بالظنّ وحاصل الجواب أنّ المقصود من استصحاب عدم الحجيّة إثبات حرمة العمل بالظنّ ويكفي في ثبوتها مجرّد الشّكّ وعدم العلم بالحجيّة من دون حاجة إلى إثبات عدم الحجيّة وذلك لأنّ وجوب التّعبّد بالظنّ وإن كان من الآثار الشّرعيّة المرتّبة على الحجيّة الواقعيّة ولا بدّ في إثباته من العلم بالحجيّة وجدانا أو شرعا إلاّ أنّ حرمة التّعبّدية يكفي في إثباتها عدم العلم بحجيّته لكون التعبّد به من دون علم بحجيّته تشريعا محرما فلا يحتاج في إثبات حرمة التعبّد به إلى إحراز عدم كونه حجّة ولو بالأصل وهذا محصل ما ذكره في المقام وظاهره تسليم جريان الأصل في المقام إلا أنّه ادعى كون ثبوت الحرمة بمجرّد عدم العلم مغنيا من إحراز عدم الحجّية بالأصل وأنت خبير بما فيه إذ حرمة التعبّد بالظنّ ليست من الآثار الشّرعيّة المرتّبة على عدم الحجيّة في الواقع بل هي من آثار التعبّد بالظن من دون علم بحجّيته من حيث كونه تشريعا فاستصحاب عدم الحجيّة لا يترتب عليه حكم شرعيّ أصلا وسيأتي في محلّه عدم جريان الاستصحاب فيما لا يترتّب عليه حكم شرعيّ نعم تحقق موضوع التشريع كما يترتّب على عدم العلم بالحجيّة كذلك يترتّب على العلم بعدم الحجيّة أيضا فتكون حرمة التعبّد حينئذ مرتبة على المستصحب بواسطة تحقق موضوع التّشريع به وحينئذ قوله إن الأصل وإن كان ذلك إن أراد به كون الأصل مثبتا للحرمة بلا واسطة فقد عرفت ضعفه وإن أراد كونه مثبتا لها ولو بالواسطة فهو وإن كان متجها ويؤيّده أيضا التعبير بعدم الحاجة إلى التّمسّك بالأصل لما عرفت من تحقّق الحرمة بمجرّد عدم العلم من دون حاجة إلى إثبات عدم الحجيّة إلاّ أنّه أنّما يتم على القول بالأصول المثبتة وهو غير مرضي عند المصنف رحمهالله ومع التّسليم فقد عرفت كون مجرّد عدم العلم بالحجيّة علّة تامّة لحرمة التعبّد بالظنّ وعليه يكون الظنّ المشكوك الاعتبار معلوم الحكم وحينئذ إن أراد باستصحاب عدم الحجيّة إثبات هذه الحرمة النّاشئة من عدم العلم بالحجيّة فهو تحصيل لحاصل مع أنّ الحرمة الثّابتة بالأصل من آثار عدم الحجيّة المستصحب بالفرض وهذه الحرمة من آثار عدم العلم بالحجيّة فيتغاير موضوعهما فكيف يقال باتحاد حكمهما وإن أراد به إثبات حرمة أخرى فهي تحتاج إلى موضوع آخر لما عرفت من عدم إمكان عروض هذه الحرمة لموضوع عدم العلم ومع تسليمه يستلزم ذلك حرمة التعبّد بالظنّ من وجهين وهي معلومة الفساد(قوله) ومنها أنّ الأصل هي إباحة العمل إلخ قال المحقق الكاظمي فيما حكي عنه بعد الاستدلال بالأصل لكن نطقت الآيات والأخبار بحرمة العمل
