أزمة التوفيق والاهتداء إنّه إذا وقع التعارض بين أزيد من دليلين كالثلاثة فصاعدا إمّا أن يكون التعارض من جانب واحد بأن تعارض دليلان مع ثالث مع عدم تعارضهما في أنفسهما كقولك أكرم العلماء ولا تكرم هذا العالم ولا تكرم ذاك العالم وإمّا أن يكون من جانبين أو أزيد بحسب اختلاف الأدلّة كقولك أكرم العلماء ولا تكرم النّحويين ويكره إكرام الأصوليّين إذا فرضت النسبة بين الأخيرين عموما من وجه بأن كان بعض النحاة أصوليا أيضا ويندرج في هذا القسم أقسام بحسب اختلاف مراتب الأدلّة أمّا القسم الأوّل فهو على أقسام لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون أحد الأدلّة ظاهرا والباقيان نصين أو أظهرين بالنسبة إليه أو يكون أحدها نصّا بالنسبة إلى أحد الباقيين وظاهرا بالنسبة إلى الآخر أو لا تكون نصوصية ولا أظهرية في البين أصلا وعلى التقادير إمّا أن يكون بعض الأدلّة متّصلا بالآخر كالشّرط والصّفة أو نحوهما أو يكون الجميع منفصلات ومستقلات بأنفسها أو يكون بعضها مردّدا بينهما كالاستثناء لاختلافهم في كونه من المخصّصات المتّصلة أو المنفصلة كما ستعرفه لكن صورة الاتصال خارجة من محلّ الكلام لأنّه مع تعارض أدلّة ثلاثة مع كون أحدها شرطا أو صفة بالنسبة إلى أحد الباقيين لا يعد المتّصل بالنسبة إلى ما اتصل به دليلا على حدة بل هما يعدّان دليلا واحدا معارضا للثالث فبعد تقييده بما اتصل به من الشّرط أو الصّفة أو نحوهما من المقيدات المتّصلة والعمل بمقتضاهما تفرض النسبة بين مقتضاهما والباقي فالتعارض حينئذ يقع بين دليلين دون الثلاثة فيخرج من محلّ الكلام فينحصر البحث حينئذ في الأدلّة المنفصلة وما يتردد بين كونه متّصلا ومنفصلا فيقع البحث حينئذ في هذا القسم في صور إحداها تعارض الأدلّة المنفصلة مع كون التعارض من جانب واحد وكون أحد الأدلّة ظاهرا والباقيين نصين بالنسبة إليه والمراد بالنّصوصية في هذه الصّور أعمّ منها ومن الأظهرية كتعارض عام مع خاصين والحكم في موارد هذه الصّورة مختلف ففي بعضها يتخيّر في ملاحظة النّسبة بين الأدلّة المتعارضة بين ملاحظتها دفعة ومرتبة وفي بعض آخر تتعين ملاحظتها دفعة واحدة وفي ثالث تتعين ملاحظتها مرتبة أمّا الأوّل فهو كلّ مورد يكون بين الخاصين المعارضين مع العام على ما عرفت تباين بشرط أن لا يلزم من تخصيص العام بهما بقاء العام بلا مورد أو تخصيص الأكثر كقولك أكرم العلماء ولا تكرم النحويين ولا تكرم الأصوليين إذا فرض التباين بين النّحوي والأصولي وحينئذ يجوز أن تلاحظ النسبة بين العلماء وبين النّحوي والأصولي فيخصّص بهما دفعة واحدة ويجوز أن تلاحظ النسبة بين العلماء والنّحوي فيخصّص به أوّلا ثمّ تلاحظ النسبة بين العام المخصّص بالنّحوي وبين الأصولي فيخصص به ثانيا فجواز الأمرين إنّما هو لأجل عدم اختلاف الحكم بهما وكذا فيما لو كان بين الخاصين عموم وخصوص مطلقا كما إذا فرض في المثال المذكور كون كل أصولي نحويا من دون عكس فيجوز حينئذ تخصيص العام بهما دفعة واحدة ومرتبا لكن يشرط في صورة الترتب تخصيص العام أوّلا بالمطلق منهما ثم بالخاص وأمّا صورة العكس فلا يجوز التخيير فيها بين الدّفعة وتخصيص العام أولا بالخاص ثم بالمطلق وأمّا الثّاني فهو كلّ مورد يكون بين الخاصين عموم وخصوص من وجه مثل قولنا أكرم العلماء ولا تكرم الأصوليّين ولا تكرم النحويّين لأنّ النسبة بين العلماء وبين الأصوليين والنحويّين عموم وخصوص مطلقا وبين الأخيرين عموم من وجه وبعد إخراجهما من عموم العلماء يجب إكرام غير الأصوليين والنّحويّين من العلماء بخلاف ما لو حطت النسبة مرتبة بأن خصّص العلماء أوّلا بالأصوليّين ثمّ بالنحويّين لانقلاب النسبة بعد إخراج الأصوليين إلى العموم من وجه لأنّ مادة الاجتماع هو العام النّحوي غير الأصولي ومادة الافتراق من جانب الأوّل هو الفقيه غير النّحوي ومن جانب الثاني هو النحوي الأصولي فلا يمكن تخصيص العلماء بالنحويّين ثانيا لفرض صيرورة النسبة حينئذ عموما من وجه فيجب حينئذ إمّا الرّجوع في مادة التعارض إلى المرجّحات أو الحكم فيها بالتعارض والرّجوع إلى مقتضى الأصول وحيث لا مرجّح لتخصيص العام أوّلا بأحد الخاصين لفرض تساوي مرتبتهما بالنّسبة إليه يجب تخصيصه بهما دفعة لئلاّ يلزم الترجيح بلا مرجّح ومثله الكلام فيما كان بين الخاصين عموم وخصوص مطلقا فيخصّص بهما العام دفعة ولا يجوز تخصيص العام أوّلا بالخاص منهما ثم بمطلقهما لانقلاب النسبة حينئذ إلى العموم والخصوص من وجه مثل قولنا أكرم العلماء ولا تكرم الأصوليين ولا تكرم النحويّين إذا فرض كون كلّ أصولي نحويّا من دون عكس لأنّه إذا خصّص العلماء بالأصوليّين أوّلا يكون المراد بالعلماء غير أصوليين منهم والنسبة بينه وبين النّحويّين عموم من وجه فمادة الاجتماع هو الفقيه النّحوي ومادة الافتراق من جانب الأوّل هو الفقيه غير النّحوي ومن جانب الثّاني هو النحوي الأصولي فلا بدّ حينئذ من التخصيص دفعة كما عرفت نعم لو خصّص العام أوّلا بالمطلق منهما ثم بالخاص لا تتفاوت الحال حينئذ بين الدفعة والترتيب فيتخير بينهما على ما أسلفناه وبالجملة أن تعين الدّفعة في هذا الفرض إنّما هو بالنسبة إلى تخصيص العام أوّلا بالخاص منهما وإلاّ فلو خصّص بالمطلق منهما أوّلا ثبت التخيير بين الدّفعة والترتيب على ما عرفت ثم إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين كون أحد الخاصين من قبيل الدّليل اللّفظي أو العقلي أو الإجماع لاتحاد المناط في الجميع في جميع ما ذكرناه خلافا لما توهمه الفاضل النّراقي كما ذكره المصنف رحمهالله وسنشير إلى توضيحه وأمّا الثالث فهو كلّ مورد يكون لملاحظة الترتيب فيه ثمرة ومرجح مثل قولنا أكرم العلماء ولا يجب إكرام العلماء ولا تكرم الأصوليّين فإذا لوحظ تعارض جميعها وعولج تعارضها دفعة واحدة يجب تخصيص العام في الدّليلين الأوّلين بالأصوليّين لكونه خاصا وحمل الأمر في الأوّل منهما على الاستحباب لكون النفي في الثاني نصّا بالنسبة إلى ظهور الأمر في الوجوب فيكون المحصّل حينئذ استحباب إكرام من عدا الأصوليين من العلماء بخلاف ما لو لوحظ الترتيب بأن يخصّص العام الأوّل بالأصوليّين أولا ثمّ نلاحظ النّسبة بين هذا العام المخصّص وبين قولنا لا يجب إكرام العلماء لانقلاب النسبة حينئذ إلى العموم والخصوص مطلقا فيجب تخصيص قولنا لا يجب إكرام العلماء بقولنا أكرم العلماء غير الأصوليّين فيختص عدم الوجوب حينئذ بالأصوليين
