كسابقه ويدل على عدم التجوّز هنا مضافا إلى ما عرفت أنا لا نفهم فرقا بين قولنا أعتق رقبة مؤمنة بناء كون التنوين للتمكّن وقوله تعالى (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) فكما أنّ الثاني حقيقة كذلك الأوّل وإلى أن التقييد لو كان موجبا للتجوز يلزم التجوّز في جميع مطلقات الكتاب والسّنة بل استعمالها في معانيها الحقيقة والمجازية بل استعمالها في ألف مجاز لتعاود القيود عليها بحسب اختلاف أحوال المكلّفين لأنّ قوله سبحانه أقم الصّلاة مثلا قد أريد منه الأمر بطبيعة الصّلاة بالنسبة إلى من خلا من مرض وسفر وحالة اضطرار ونحوها وأمّا بالنسبة إلى المريض والمسافر والمضطرّ فقد قيد بقيود شتّى وهكذا غيره من الإطلاقات ولا أقلّ من تقيدها بالأفراد الممكنة من الطبيعة وربّما يفصّل في القيود بين المتصلة والمنفصلة بالتزام التجوّز في الثّاني دون الأوّل بدعوى كون المطلقات المقيّدة بالقيود المتّصلة موضوعة بحسب الهيئة للمقيدات بخلاف المقيّدة بالقيود المنفصلة لبقائها على وضعها الأفرادي فيكون تقييدها بها مورثا للتجوز فيها كما عرفته في حجة القول الأوّل وضعفه يظهر ممّا تقدم وإذا عرفت هذا ظهر لك أن إثبات ورود المطلقات في مقام بيان الإطلاق في جميع الأقسام المتقدّمة إنّما هو بمعونة عدم بيان القيد أعني دليل الحكمة فعدم بيانه جزء من مقتضى الإطلاق بخلاف عموم العام لكونه بحسب الوضع فهو بنفسه مقتض للعموم والتخصيص مانع منه فهو بضميمة أصالة عدم المخصّص صالح للبيانيّة فيقيّد بإطلاق المطلق ولا يمكن العكس وكيف لا وهو مستلزم للدّور كما قرّره المصنف قدسسره وبعبارة أخرى أنّ الشكّ في إرادة الإطلاق مسبّب عن الشكّ في إرادة العموم فلو انعكس الأمر أيضا لزم الدّور فلا بدّ أن يكون الشكّ في إرادة العموم مسبّبا عن أمر خارجي (قوله) وأمّا على القول بكونه مجازا إلخ هذا القول محكي عن المشهور ولا إشكال في تحقق الأغلبيّة لأنّهم وإن ادعوا أنّه ما من عام إلاّ وقد خصّ إلا أنّه وارد على سبيل المبالغة لكثرة العمومات العرفية كما تقول ما لقيت اليوم أحدا وما أكلت شيئا وما قرأت اليوم كتابا ونحو ذلك بخلاف المطلقات لندرة سلامتها عن التقييد بل لا يكاد يوجد لها مصداق في الخارج لأنّ منها ما هو واقع في حيّز الأخبار مثل جاءني رجل أو رأيت رجلا أو نحوهما ولا ريب أنها قد قيّدت بالوجود الخارجي لأنّ الأخبار في الغالب إنّما هو عن المعنيات الخارجية ومنها ما هو واقع في حيّز الطلب ولا أقل من تقيده بالأفراد المقدورة وبالجملة أنّ وجود خطاب سالم عن التقييد طلبا ومطلوبا من حيث الزّمان والمكان والإمكان ونحوها في غاية القلة ونهاية العزّة ويمكن الاستدلال أيضا على رجحان التقييد على القول المذكور بوجهين آخرين أحدهما الفهم العرفي لأنّه مع دوران الأمر بين التقييد والتخصيص يجعل عموم العام بحسب العرف قرينة على التقييد وهذا واضح لمن تتبع الأمثلة العرفية كما تقول أهن جميع الفسّاق وأكرم العالم فإنه يفهم منه وجوب إكرام العالم العادل وثانيهما القرب الاعتباري بناء على جواز الترجيح به كما يراه بعضهم لأن المقيد أقرب إلى المعنى الحقيقي من قرب الخاص إلى العام ولذا يحمل المطلق على المقيّد بالحمل المتعارف فيقال زيد إنسان ولا يصحّ حمل العام على الخاص فلا يقال زيد العالم العلماء ولعلّ المصنف ره لم يتعرض للأوّل نظرا إلى كون مبنى الفهم العرفي على ما ذكره من الغلبة وللثاني لعدم الاعتداد بالقرب العرفي (قوله) وفيه تأمّل إلخ قال المصنف ره في الحاشية وجه التأمّل أنّ الكلام في التقييد المنفصل ولا نسلم كونه أكثر نعم دلالة ألفاظ العموم أقوى من دلالة المطلق لو قلنا أنّها بالوضع انتهى (قوله) لغلبة شيوعه إلخ يحتمل أن يريد بغلبة التخصيص وجوها أحدها أن يكون التخصيص أغلب بحسب وجوده الخارجي من مطلق المجازات الواقعة في الاستعمالات وهذه الدّعوى تكاد تشبه المكابرة لوضوح أغلبية سائر المجازات وثانيها ما ذكره المحقق القمي قدسسره من كون التخصيص أغلب من سائر المجازات الحاصلة في اللفظ العام وهذه الدّعوى أيضا غير مجدية في المقام لأن الكلام هنا في ترجيح التخصيص على سائر المجازات إذا دار الأمر بين تخصيص العام في كلام وارتكاب خلاف الظاهر في كلام آخر وثالثها وهو الحق أن يقال إنّ نوع العمومات إذا قيست إلى سائر أنواع الخطابات بخصوصها مثل الخطاب المشتمل على الأمر أو النّهي أو نحو ذلك فالتخصيص بحسب نوعه أغلب من سائر المجازات الحاصلة في سائر أنواع الخطابات لأنّ استعمال هذه الخطابات في معانيها الحقيقة غير عزيز بل كثير في المحاورات العرفية بخلاف الخطابات المشتملة على ألفاظ العموم لغلبة ورود التخصيص عليها نعم ربّما يمنع غلبة التخصيص بالنسبة إلى حمل صيغة الأمر على الاستحباب كيف لا وقد قيل بكونها مجازا مشهورا فيه ولم يقل ذلك أحد في العام ولعلّ الأمر بالتّأمّل إشارة إلى معارضة ذلك بما اشتهر من أنّه ما من عام إلاّ وقد خصّ (قوله) وقد يستدل على ذلك إلخ تقريب الاستدلال أنّ الحلال والحرام في الحديث الشريف إمّا كناية عن مطلق الأحكام الشرعيّة وإمّا أنّه قد خصّها بالذّكر لأهميتهما من بين سائر الأحكام وعلى كلّ تقدير فالمراد استمرار مطلق أحكام محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم فهذا الحديث الشّريف يعطي قاعدة كليّة وهي استمرار كل حكم من الأحكام الشّرعية إلى الأبد فيجعل هذه القاعدة مرجعا عند الشكّ في تحقق النّسخ لوضوح أنّه لا بد في تخصيصها من الاقتصار على ما علم نسخه شرعا فنقول فيما نحن فيه إذا دار الأمر بين نسخ دليل وارتكاب خلاف الظّاهر في دليل آخر فعموم الحديث الشريف حاكم على صرف التأويل إلى الدّليل الآخر مع أنّ الأمر هنا دائر بين ارتكاب خلاف ظاهرين وارتكاب خلاف ظاهر واحد لأنّه على تقدير النّسخ يلزم تخصيص هذا الحديث الشريف وصرف الدّليل الظّاهر في الاستمرار عن ظهوره بخلافه على تقدير ارتكاب خلاف الظّاهر في الدّليل الآخر ولا ريب أنّ الثاني أولى وأرجح لوجوب المحافظة على الظواهر بحسب الإمكان (قوله) لأنّ الكلام في قوة أحد الظاهرين إلخ مضافا إلى عدم صلاحية الأصول للترجيح في المقام إما لأن اعتبار الأصول من باب التعبّد فلا تصلح لترجيح أحد الظهورين لاختلاف مرتبتهما اللهمّ إلا أن يمنع ذلك في خصوص أصالة عدم النسخ نظرا إلى استقرار بناء العقلاء عليها وإمّا لحكومة الظاهر المقابل لها عليها ولذا لا يقاوم شيء من الأصول سواء قلنا باعتبارها من باب التعبّد أو الظنّ شيئا من الأدلّة الظنيّة(قوله)
