استصحاب الحكم المخالف للأصل في شيء دليل شرعيّ رافع بحكم الأصل ومخصص لعمومات الحلّ كاستصحاب حكم العنب فإنّ الأصل قد انتقض فيه بالإجماع والنّصوص الدّالّة على تحريمه بالغليان وعمومات الكتاب والسّنّة قد تخصّصت بهما قطعا وحينئذ فينعكس الأمر في الزبيب ويكون الحكم فيه بقاء التحريم الثابت له قبل الزبيبة بمقتضى الاستصحاب فلا يرتفع إلاّ مع العلم بزواله والخاصّ وإن كان استصحابا مقدّم على العام وإن كان كتابا كما حقّق في محلّه وأمّا استصحاب الحلّ فغايته الحلّية بالفعل وهي لا تنافي التحريم بالقوّة والحلّ المنجز يرتفع بحصول شرائط التّحريم المعلّق فإن قيل مرجع الاستصحاب إلى ما ورد في النّصوص من عدم جواز نقض اليقين بالشكّ وهذا عام لا خاص قلنا الاستصحاب في كلّ شيء ليس إلاّ بقاء الحكم الثّابت له وهذا المعنى خاصّ بذلك الشيء ولا يتعدّاه إلى غيره وعدم نقض اليقين بالشكّ وإن كان عاما إلا أنّه واقع في طريق الاستصحاب وليس نفس الاستصحاب المستدلّ به والعبرة في العموم والخصوص بنفس الأدلّة لا بأدلّة الأدلّة وإلاّ لزم أن لا يوجد في الأدلّة الشرعيّة دليل خاصّ أصلا إذ كل دليل فهو ينتهي إلى أدلّة عامّة هي دليل حجيته وليس عموم قولهم عليهمالسلام لا تنقض اليقين بالشكّ بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئياته إلاّ كعموم قوله تعالى (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ) بالقياس إلى أخبار الآحاد المرويّة فكما أنّ ذلك لا ينافي كون الخبر خاصا إذا اختصّ مورده بشيء معيّن فكذا هذا ولذا ترى الفقهاء يستدلّون باستصحاب النجاسة والحرمة في مقابل الأصول والعمومات الدّالّة على طهارة الأشياء وحليّتها وكذا باستصحاب شغل الذّمّة في مقابلة ما دلّ على براءة الذّمة من الأصل والعمومات وفي مسائل العصير ما يبتنى على ذلك أيضا كمسألة الشكّ في ذهاب الثلثين وكون التحديد به تحقيقا لا تقريبا وكذا مسألة خصت الإناء وصيرورة العصير دبسا قبل ذهاب ثلثيه وغير ذلك من المسائل ولو لا أنّ الاستصحاب دليل خاصّ يجب تقديمه على الأصل والعمومات لم يصح شيء من ذلك وهذا من نفائس المباحث فاحتفظ به انتهى كلامه رفع في الجنان مقامه واعترض عليه صاحب الفصول بعد إيراد ملخص كلامه في مبحث العام والخاصّ بما لخّصه المصنف رحمهالله قائلا التحقيق أنّ هنا مقامين الأوّل تخصيص العام ورفع شموله لبعض ما يتناوله بالاستصحاب الثّاني إبقاء حكم المخصّص بعد قيام دليله في بعض ما يتناوله العام بالاستصحاب أمّا المقام الأوّل فلا ريب في عدم حجيّة الاستصحاب فيه سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له لأنّ أدلّة حجيّته مقصورة على صورة عدم دلالة دليل على الخلاف وإن كان في أدنى درجة من الحجيّة وعموم العام دليل فلا يصلح الاستصحاب لمعارضته ولأنه لا كلام في أنّ ظاهر الأمر والنّهي لا يعارضان باستصحاب براءة الذّمة وإلاّ لم يثبت بمجرّدهما إيجاب وتحريم أصلا فكذلك ظاهر العام لمشاركة الجميع في كونه دليلا لفظيّا مقدّما على الأصول الظاهريّة ولأنّه لو صلح الاستصحاب دليلا على تخصيص العام لبطل الاحتجاج بالعمومات المخالفة له لوجوب قصر حكمها حينئذ على بعض لا يجوز تطرق التخصيص إليه لأنّ القدر الثّابت بها ارتفاع حكم الاستصحاب بالنسبة إلى ذلك البعض وأمّا بالنسبة إلى غيره فليس هناك ما يدل على رفعه إلاّ العموم وقد فرض عدم صلوحه له والفرق في ذلك بين الاستصحاب الموافق للأصل والمخالف له مما لا وجه له بعد اشتراك المستند وعموم أدلة حجيته نعم يستثنى من ذلك استصحاب عدم النّسخ عند سبق المخصّص الغير المستوعب فإنّه ينهض دليلا على التخصيص بضميمة مورده لقرب التخصيص وبعد النّسخ كما سيأتي وأمّا المقام الثّاني فلا ريب في حجيّة الاستصحاب فيه إذا اشتمل على شرائط الحجيّة من غير فرق بين الموافق منه للأصل والمخالف له وهو ممّا لا خلاف فيه بين القائلين بحجيّته لكنّه ليس من باب تخصيص العام بالاستصحاب في شيء ومن هذا الباب ما ذكره من الأمثلة فإنّ عمومات البراءة إنّما دلّت على البراءة عند عدم دليل على الاشتغال فإذا دل الاستصحاب على بقاء الاشتغال أو على بقاء موضوع يتفرع عليه الاشتغال ثبت الاشتغال وليس شأن الاستصحاب حينئذ تخصيص تلك العمومات بل تحقيق عنوان اختصت تلك العمومات بغيره وكذلك الكلام في عمومات الطّهارة وقد يتخيل أنّ حكمنا بنجاسة الكرّ الملتئم من قليلين متنجسين مبني على تخصيص عمومات طهارة الماء بالاستصحاب وضعفه يعرف ممّا قررناه فإن أدلّة طهارة الماء منها ما يفيد طهارته الابتدائية واستدامتها تعرف بالاستصحاب فإذا دل دليل على عروض النجاسة عليه بالملاقاة أو التغير لم يكن مخصّصا لذلك العموم بل رافعا لاستمرار الطهارة المستفادة من الاستصحاب ومنها ما يفيد طهارة الماء إلى أن تعلم نجاسته ولو بدليل شرعي وهذا العام لا مخصّص له أصلا وحيث يقوم دليل على الانفعال كان ذلك محقّقا لعنوان الغاية لا مخصّصا لعموم المعنى نعم لو تمسّكنا في الفرض المذكور بالاستصحاب في مقابلة قوله عليهالسلام الماء إذا بلغ كرّا لم يحمل خبثا بناء على عمومه للخبث السّابق واللاّحق كما هو الظّاهر كان تخصيصا للعموم بالاستصحاب لكن الرّواية ضعيفة غير معمولة والاستدلال بالاستصحاب هنا لضعف الدّليل وقصوره عن الحجيّة لا أن الاستصحاب مخصّص لعمومه فاتضح ممّا حققناه أن الفاضل المذكور قد خلط بين المقامين حيث إنّ صدر كلامه يدلّ على مصيره إلى الجواز في المقام الأوّل وذيله يدل على إثبات الجواز في المقام الثّاني واتضح أيضا ضعف دليله وعدم مساعدة ما استشهد به من كلام الأصحاب على دعواه فتثبّت ولا تغفل انتهى ومثل في الحاشية للقسم الأوّل من عموم الطّهارة بقوله تعالى (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) وللثّاني بقوله عليهالسلام كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر أقول ولنعم ما أفاد وأجاد إلاّ أن الظاهر اشتباه الأمر عليه فيما تخيله من كون قوله تعالى (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) وقوله سبحانه (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ونحوهما مثبتا للطهارة ابتداء لا استدامة إذ هو فاسد لأنّ الأدلّة الدّالة على قاعدة الطّهارة على أقسام منها ما دلّ على الطّهارة في مقام الظّاهر وعروض الشكّ فيها مثل قوله عليهالسلام كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه نجس وقوله عليهالسلام الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنه قذر ومنها ما دلّ على استمرار الطهارة في الواقع مثل قوله عليهالسلام الماء إذا بلغ كرّا لم يحمل خبثا لأنّ ظاهره كون وصف الكرّية عاصمة عن طريان النّجاسة عليه ابتداء واستدامة ومنها ما دلّ على طهارة الماء في الواقع بحسب أفراده وجميع حالاته كالآيتين لورودهما في مقام الامتنان على العباد المفيد للطهارة لجميع أفراد المياه وفي جميع حالاتها مثل حال تغيّرها طعما ولونا ورائحة وحال
