ومضروب ولا ريب أن ما يشقق من الاستصحاب من استصحب ومستصحب ونحوها من الألفاظ الدّائرة على ألسنة القوم لا يراد به المعنى الذي عرّف المشتق منه به (قوله) كما صرّح به في أوّل كتابه إلخ قال إنّ موضوع الأصول هو أدلّة الفقه وهي الكتاب والسّنّة والإجماع والعقل وأمّا الاستصحاب فإن أخذ من الأخبار فيدخل في السّنة وإلاّ فيدخل في العقل وأمّا القياس فليس من مذهبنا انتهى وهذا الكلام وإن كان فاسدا في نفسه كما قرّرناه في محلّه إلاّ أن ما عرف الاستصحاب به هنا لا ينطبق على شيء من دخوله تحت السّنة والعقل كما ذكره المصنف رحمهالله وما ذكره يرجع إلى أمرين أحدهما منافاة ما ذكره هنا من التعريف لما ذكره في صدر كتابه والآخر أنّ الاستصحاب عند الأصحاب من الأدلّة العقلية وعرّفوا الدّليل العقلي بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي وحكم العقل هنا حكمه ببقاء ما كان على ما كان بواسطة كونه يقيني الحصول مشكوك البقاء لا كون الحكم أو الوصف كذلك لأنّه مورد لحكم العقل لا نفسه والمحقق القمي رحمهالله قد قسّم الحكم العقلي إلى قطعي وظني وليكن هذا من القسم الثّاني ولا ريب أنّ كون الاستصحاب دليلا شرعيّا أيضا إنّما هو باعتبار حكم الشّارع ببقاء ما كان لا باعتبار ما ذكره وأنت خبير بأنّ الحجّة والدّليل على ما صرّح به المصنف رحمهالله في أوّل الكتاب هو الوسط الّذي يحتج به لثبوت الأكبر للأصغر وهو هنا ليس إلاّ كون الشيء معلوم الحصول مشكوك البقاء لأنّه يقال هذا معلوم الحصول مشكوك البقاء وكلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء فلا بدّ في تعريف الاستصحاب باعتبار كونه دليلا وحجة من تحديده بما ذكره المحقق القمي رحمهالله لأنه المنطبق على ما ذكره المصنف رحمهالله ولا ينافيه تعريف الدّليل العقلي بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ لأنّ الدّليل العقلي هنا هو الوسط في القضيتين المذكورتين الذي يتوصّل به بعد ترتيب القضيتين إلى حكم شرعيّ وهو حجّية ما ظن بقاؤه فإن النتيجة المأخوذة منهما يجعل وسطا في قضيّة أخرى فيقال هذا مظنون البقاء وكلّ مظنون البقاء محكوم ببقائه شرعا فهذا محكوم ببقائه شرعا وهذه النتيجة المأخوذة من القضية الثّانية هو الحكم الشرعي المتوصّل إليه بحكم عقلي ومن هنا يندفع الإيراد الأوّل أيضا لأن كون الاستصحاب داخلا في السّنة أو العقل المستلزم لكونه من أدلّة الفقه إنّما هو باعتبار ما عرّفه به كما عرفت لأنّه يقال إنّ هذا يقيني الحصول مشكوك البقاء وكلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء عقلا أو شرعا(قوله) وإن جعل خصوص الكبرى لأنّ مرجعها إلى إبقاء ما كان ولعلّ هذا هو الظّاهر من كلامه وذكر الصّغرى إنّما هو لبيان مورد الاستصحاب (قوله) هو التمسّك بثبوت ما ثبت إلخ قد تقدّم سابقا استدراك قيد التمسّك بل إخلاله بالحدّ وكذا قيد في وقت لأنّه لو قال هو التمسّك بثبوت ما ثبت فيما بعد ذلك لكفي ومنه يظهر استدراك قيد الحال أيضا(قوله) إن عدّ الاستصحاب إلخ اعلم أنا قد أشرنا سابقا إلى الخلاف في كون الاستصحاب من الأدلّة أو القواعد أو الأصول وعلى التقادير في كونه عقليّا وشرعيّا أو عقليا محضا أو شرعيّا كذلك وليعلم أنّ الفرق بين الدّليل والقاعدة أنّ الدّليل في الاصطلاح إما هو الأصغر في الشكل الأوّل مثلا كما يشير إليه تعريفه بأنّه ما يمكن التوصل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوب خبري أو الوسط الذي يحتج به لثبوت الأكبر للأصغر والنتيجة هو المطلوب الخبري والقاعدة هو الكلي الّذي يستخرج منه أحكام جزئيّاته وهو الكبرى في الشكل الأوّل فيقال في قاعدة عدم جواز نقض اليقين بالشكّ هذا يقيني الحصول مشكوك البقاء وكل ما هو كذلك لا يجوز نقضه بالشكّ يعني يحكم ببقائه واستمراره وممّا ذكرناه يظهر أنّ الاستصحاب على تعريف المحقق القمي يكون من الأدلّة لوقوعه حينئذ وسطا في الشكل الأوّل كما عرفت وعلى تعريف المشهور يكون من القواعد لكونه حينئذ كبرى في الشكل الأوّل على ما ذكرناه وإذا عرفت هذا نقول في توضيح ما قدمناه إنا إن قلنا باعتباره من باب العقل كما هو ظاهر الأصحاب على ما أشار إليه المصنف رحمهالله فلا إشكال في كونه من الأدلّة للتوصل حينئذ بحكم العقل بالبقاء إلى ثبوت الحكم شرعا في زمان الشكّ كما يتوصّل بحكم العقل بقبح الظلم والعدوان وحسن الإحسان إلى حرمة الأولين واستحباب الثالث فيقال هذا ممّا حكم العقل ببقائه ظنّا وكل ما هو كذلك فهو باق شرعا نعم لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا كان جاريا في الشبهات الحكميّة لإثبات الأحكام الظّاهريّة الكليّة كاستصحاب نجاسة الماء المتغير إذا زال تغيره من قبل نفسه واستصحاب طهارة المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء الصّلاة لأنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعيّة كاستصحاب عدالة زيد ونجاسة ثوبه وفسق عمرو وطهارة بدنه لا يصير دليلا على حكم شرعي لأنّ الثابت به فيها إنما هي الأحكام الجزئيّة وهي ليست ممّا ينبغي أن يؤخذ من الشّارع لتكون شرعية ويكون المثبت لها دليلا على حكم شرعيّ إذ ما ينبغي أن يؤخذ من الشّارع هي الأحكام الكليّة دون الجزئية نعم الاستصحاب فيها من الأمارات الظنيّة المعتبرة بالعقل والبحث عنه من هذه الجهة في هذه المسألة استطرادي كما يشهد به تمثيلهم له بعد تعريفه بوجدان المتيمّم الماء في أثناء الصّلاة كما فعله العضدي أو بعدم كون المذي ناقضا للوضوء كما فعله العلامة في النّهاية وإن قلنا باعتباره من باب الأخبار فلا إشكال في كونه من القواعد الشّرعية أو الأدلة الشرعية على الوجهين المتقدّمين فيقال هذا يقيني الحصول مشكوك البقاء وكل ما هو كذلك لا يجوز نقضه بالشك وهل هو على الأول من القواعد الاجتهادية النّاظرة إلى الواقع والكاشفة عنه ظنّا أو من القواعد الفقاهيّة المتعبد بها مع قطع النّظر عن إفادتها الظنّ حتّى يكون من الأصول التّعبّدية وجهان مبنيان على أنّ مؤدّى الأخبار الواردة في المقام هو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ من حيث حصول الظنّ ببقاء المتيقن السّابق كما احتمله المحقق القمي رحمهالله بل جعل شيخنا البهائي قدسسره في الحبل المتين في كلامه الآتي في كلام المصنف رحمهالله مناط حجية الاستصحاب هو وصف الظنّ مع تمسّكه في اعتباره بالأخبار أو أن مؤدّاها التعبد بعدم جواز نقض اليقين بالشكّ وعلى تقدير كونه من الأدلة العقلية فإن قلنا بكون مؤدّى الأخبار هو إمضاء حكم العقل بأن كانت واردة في مقام إمضاء بناء العقلاء على العمل بالظنّ الحاصل بالبقاء في موارد الاستصحاب كما تقدّم احتماله من المحقّق القمي رحمهالله يكون دليلا عقليّا وشرعيّا وإن منعنا حكم العقل فمع تنزيل الأخبار على صورة حصول الظنّ يكون دليلا شرعيّا خاصة أو قاعدة اجتهادية شرعيّة كذلك على الوجهين المتقدّمين ومع تنزيلها على بيان الحكم تعبدا يكون دليلا فقاهيّا أو قاعدة مبتدئة وإن قلنا باختصاص الأخبار بالشّبهات الموضوعيّة كما هو ظاهر تركهم التمسّك بها للمقام مع كونها بمرأى ومسمع منهم على ما عرفت يكون دليلا عقليّا خاصّة وعلى تقدير كونه مأخوذا من الأخبار مع حملها على الشبهات الموضوعيّة فإن قلنا بإفادتها لاعتبار الاستصحاب من باب الظنّ فمع تسليم حكم العقل أيضا فيها يكون
