الشارع بل بمنزلة عبد واحد فإلغاء الشارع أحد الشخصين في الضّرر بتشريع الحكم الضرري فيما نحن فيه نظير لزوم الإضرار بأحد الشخصين لمصلحته فكما يؤخذ فيه بالأقل كذلك فيما نحن فيه ومع التّساوي فالرّجوع إلى العمومات الأخر ومع عدمها فالقرعة لكن مقتضى هذا ملاحظة ضرر الشّخصين المختلفين باختلاف الخصوصيّات الموجودة في كلّ منهما من حيث المقدار ومن حيث الشخص فقد يدور الأمر بين ضرر درهم وضرر دينار مع كون ضرر الدّرهم أعظم بالنّسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنّسبة إلى صاحبه وقد يعكس حال الشّخصين في وقت آخر انتهى وأقول إنّ تحقيق الكلام في المقام إنّ تعارض الضّررين تارة مع وجود المرجح لأحدهما وأخرى مع فقده أمّا الأوّل فلا إشكال في تقديم الرّاجح منهما والمرجّح أمور أحدها الملكيّة وسيجيء أن تصرّف المالك إذا استلزم تضرّر جاره يقدم ضرر المالك نعم قد يقدم ضرر الجار كما إذا غرس شجرا في ملكه فوقعت أجذاعه على ملك الجار فتقطع حينئذ أجذاع الشّجر الواقع في ملك الغير لاستلزام بقائها تصرّفا في ملك الغير فيدخل الضّرر حينئذ على المالك وستقف على تحقيق الكلام في ذلك وثانيها العرف والعادة بأن كان أحد الضررين في نظرهم مقدّما على الآخر قال في الرّوضة فيما لو باع الأصول وأبقى الثمرة ويجوز لكل منهما أي البائع والمشتري السقي مراعاة لملكه إلا أن يستضرا معا فيمنعان فلو تقابلا في الضرر والنّفع رجحنا مصلحة المشتري لأنّ البائع هو الذي أدخل الضّرر على نفسه ببيع الأصل وتسليط المشتري (أي بائع الأصول الذي بقيت له الثمرة) عليه الذي يلزمه جواز سقيه انتهى ولعلّ مراده أن البيع مستلزم عرفا لنقل جميع توابع المبيع والحقوق الثابتة للبائع إلى المشتري ولا شكّ أنّ حق سقي الأصول كان إلى البائع قبل البيع فإذا باعها من دون استثنائه في ضمن العقد فهو بمنزلة اشتراط الدّخول في المبيع في نظر أهل العرف وإن لم يصرّح به وإن باع الأصول أوّلا من شخص ثمّ الثمرة من آخر قدم الأوّل لانتقال الحق إليه أولا وإن باعهما منهما بعقد واحد بأن كانت الأصول لأحدهما والثمرة للآخر ففي بطلان العقد لأجل تعارض الحقين وعدم المرجّح وصحّته لأجل تقديم الأقل ضررا وجهان وثالثها التفريط فيقدم ضرر غير المفرط منهما فإذا توقف إخراج الدّابة من الدّار على هدم الدّار أو ذبح الدّابة فإن كان دخولها فيها بتفريط من صاحب الدّار بأن فتح الباب فدخلت فيها يحكم بهدمها من دون ضمان أرش الهدم وإن كان بتفريط من صاحب الدابّة يحكم بهدمها مع ضمان صاحب الدّابة للأرش ولم يحتمل أحد ذبح الدّابة مع كون التّفريط من صاحبها إلاّ ما حكي عن الشّهيد في الدّروس والفاضل في التّذكرة ولعلّ نظرهم في ذلك إلى كون ذي الرّوح محترما في نظر الشّارع وأنت خبير بأنّه إن ثبت الإجماع على الترجيح بالتّفريط وإلاّ فللنظر بل للمنع فيه مجال وأمّا إذا دخلت الدّابة في الدّار من دون تفريط من صاحبيهما قدم عند المشهور جانب من كان إخراج الدّابة من الدّار لمصلحته وهو صاحب الدّابة كما نقله المصنف رحمهالله في آخر كلامه هنا وأمّا الثّاني فيحكم فيه بتقديم أقل الضّررين وسيجيء الكلام فيه وفي صورة تساويهما عند شرح قوله وأمّا في غير ذلك إلى آخره (قوله) وقد ذكرنا توضيح ذلك إلخ قال في المكاسب في مسألة التّولي من قبل الجائر في جملة كلام له إنّما الإشكال في أنّ ما يرجع إلى الإضرار بالغير من نهب الأموال وهتك الأعراض وغير ذلك من العظائم هل يباح كل ذلك بالإكراه ولو كان الضّرر المتوعّد فيه على ترك المكره عليه أقل بمراتب من الضّرر المكره عليه كما إذا خاف على عرضه من كلمة خشنة لا يليق به فهل يباح بذلك أعراض النّاس وأموالهم ولو بلغت ما بلغت كثرة وعظمة أم لا بدّ من ملاحظة الضّررين والترجيح بينهما وجهان من إطلاق أدلة الإكراه وأنّ الضّرورات تبيح المحظورات ومن أنّ المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضرر ولا يجوز دفع الضّرر بالإضرار بالغير ولو كان ضرر الغير أدون فضلا عن أن يكون أعظم وإن شئت قلت إن حديث رفع الإكراه ورفع الإضرار مسوق للامتنان على جنس الأمة ولا حسن في الامتنان على بعضهم بترخيصه في الإضرار بالبعض الآخر فإذا توقّف دفع الضّرر عن نفسه بالإضرار بالغير لم يجز ووجب تحمل الضّرر هذا لكن الأقوى الأوّل لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم وعموم نفي الجرح فإن إلزام الغير بتحمل الضّرر بترك ما أكره عليه حرج وقوله إنما جعلت التّقية لتحقن بها الدّماء فإذا بلغ الدم فلا تقية حيث دلّ على أن حدّ التقية بلوغ الدم فتشرع لما عداه وأمّا ما ذكر من استفادة كون نفي الإكراه لدفع الضّرر فهو مسلّم بمعنى دفع توجه الضّرر وحدوث مقتضيه لا بمعنى دفع الضرر الموجّه بعد حصول مقتضيه بيان ذلك أنّه إذا توجّه الضّرر إلى شخص بمعنى حصول مقتضيه فدفعه عنه بالإضرار بغيره غير لازم بل غير جائز في الجملة فإذا توجّه ضرر على المكلّف بإجباره على مال وفرض أن نهب مال الغير دافع له فلا يجوز للمجبور نهب مال غيره لدفع الجبر عن نفسه وكذلك إذا أكره على نهب مال غيره فلا يجب تحمل الضرر بترك النّهب لدفع الضّرر الموجّه إلى الغير وتوهم أنّه كما يسوغ النّهب في الثاني لكونه مكرها عليه فيرتفع حرمته كذلك يسوغ في الأوّل لكونه مضطرّا إليه ألا ترى أنه لو توقف دفع الضرر على محرّم آخر غير الإضرار بالغير كالإفطار في شهر رمضان أو ترك الصّلاة أو غيرهما ساغ له ذلك المحرّم وبعبارة أخرى الإضرار بالغير من المحرّمات فكما يرتفع حرمته بالإكراه كذلك يرتفع بالإضرار لأنّ نسبة الرّفع إلى ما أكرهوا عليه وما اضطروا إليه على حدّ سواء مدفوع بالفرق بين المثالين في الصغرى بعد اشتراكهما في الكبرى المتقدّمة وهي أنّ الضّرر المتوجّه إلى الشخص لا يجب دفعه بالإضرار بغيره بأن الضّرر في الأوّل متوجّه إلى نفس الشّخص فدفعه عن نفسه بالإضرار بالغير غير جائز وعموم دفع ما اضطرّوا إليه لا يشمل الإضرار بالغير المضطرّ إليه لأنّه مسوق للامتنان على الأمّة فترخيص بعضهم في الإضرار بالآخر لدفع الضّرر عن نفسه إلى غيره مناف للامتنان بل يشبه الترجيح بلا مرجّح فعموم ما اضطروا إليه في حديث الرّفع مختص بغير الإضرار بالغير من المحرّمات وأمّا الثاني فالضّرر فيه أولا وبالذّات متوجّه إلى الغير بحسب إلزام المكره بالكسر وإرادته الحتمية والمكره بالفتح وإن كان مباشرا إلا أنّه ضعيف لا ينسب إليه في توجيه الضّرر إلى الغير حتّى يقال إنه أضرّ بالغير لئلا يتضّرر نفسه نعم لو تحمل الضّرر ولم يضرّ بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا لكن الشّارع لم يوجب هذا والامتنان بهذا على بعض الأمّة لا قبح فيه كما أنّه لو أراد ثالث الإضرار بالغير يجب على الغير تحمل الضّرر وصرفه عنه إلى نفسه هذا كلّه مع أنّ أدلّة الجرح كافية في الفرق بين المقامين فإنّه لا حرج في أن لا يرخص الشارع دفع الضّرر عن أحد بالإضرار بغيره بخلاف ما لو ألزم الشّارع الإضرار على نفسه لدفع الضّرر المتوجّه إلى الغير فإنه جرح قطعا انتهى كلامه رفع في الخلد مكانه (قوله) ومثله إذا كان تصرّف المالك إلخ اعلم أن لهذا المثال خصوصيّة بالنّسبة إلى سائر الموارد لكون قاعدة السّلطنة وقاعدة الحرج حاكمتين أو مرجعين هنا كما أشار إليه المصنف رحمهالله وسنشير إلى تحقيق في ذلك على وجه أوفى (قوله) منشأ ما في التّذكرة من الفرق إلخ الأقوى إلحاق المباحات والمشتركات مثل الطرق والمدارس
