الضّرر الحاصل منه ولا شكّ في عدم الفرق بين الأمر بعموم ما يشمل مورد الضّرر وبخصوص الفعل المتضمّن له فيما ذكرناه وهنا وجه آخر لكون هذه القاعدة من قبيل الأصول دون الأدلة ذكره المحقّق القمي رحمهالله قال فبما حكي عنه أنّه تعالى لا يرضى بإضرار بعض عباده بعضا ولا يفعل ما يضرّ بعباده ويجوز لمن تضرّر دفع الضّرر عن نفسه فالمراد بنفي الضّرر نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثّابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط النّاس البريئين عن المرض والعذر الّذي هو معيار مطلق التكاليف بل هي منتفية من الأصل إلا فيما ثبت وبقدر ما ثبت ولا يريد الله الضّرر إلاّ من جهة التكاليف الثّابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط انتهى وإذا كان المراد بالضّرر هو الزّائد على الضّرر الحاصل في طبائع التكاليف بالنسبة إلى أوساط النّاس فنفي الضّرر حينئذ لا يعارض التكاليف الضّرريّة غير الزّائد ضررها على الضّرر الحاصل في طبائعها بالنسبة إلى الأوساط نعم هو يعارض الدّليل المثبت للتكليف الضّرري الزائد على ما في طبائعها بالنسبة إلى الأوساط فللقاعدة حينئذ جهة أصلية وجهة دليلية ولكن كلمات علمائنا الأخيار بل إجماعهم وأخبار أئمّتنا الأطهار عليهمالسلام تدفع كونها من قبيل الأصل مطلقا أو في الجملة بحيث يتوقف جريانها في مورد على عدم الدّليل أمّا الأوّل فواضح وأمّا الثّاني فلما تقدم من الأخبار مستندا للقاعدة لتضمّن جملة منها لتمسّك النّبي صلىاللهعليهوآله وبعض خلفائه المعصومين عليهمالسلام بالقاعدة في مقابل الأدلّة المنافية لها كما في قصّة سمرة حيث أمر بقلع العذق تمسّكا بالقاعدة مع مخالفتها لسلطنة المالك على التصرّف في أمواله وكذا قد أثبت الشّفعة بها مع مخالفتها لعموم وجوب الوفاء بالعقود وحكم فيمن اشترى بعيرا مريضا وأشرك فيه رجلا بدرهمين في الرّأس والجلد واتفق أن البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير بأن له خمس ما بلغ وأنّه إن قال لا أريد إلاّ الرّأس والجلد فليس له ذلك تمسّكا بالقاعدة مع مخالفتها لقاعدة الشّركة وإذا ثبت عدم كونها من قبيل الأصول ففي كونها من قبيل الأدلّة العقليّة أو اللفظيّة وجهان بل قولان واستدلّ على الأوّل في العناوين بما حاصله أنّ العقل كما يقبح إضرار النّاس بعضهم ببعض فيحرم لذلك كذلك يقبح الإضرار من الله تعالى عن ذلك فيحرم عليه أيضا بمعنى عدم جواز صدوره عنه سبحانه عقلا فإنّ الضّرر والضرار مناف للطف والعدل على ما يفهم من معناهما ومثل ذلك غير مجوز عقلا أيضا كما أسلفناه في مسألة العسر والحرج وأقول إنّ قبح الإضرار من المكلّفين إنّما هو مع قصده وأمّا لا معه فلا نسلّم قبحه ولعلّ المستدل أيضا لا ينكر ذلك وموضوع البحث هنا أعمّ ممّا صدر عن عزم والتفات وغيره فالدّليل لا يعمّ موارد المدّعى وأمّا قبحه من الله تعالى فإنما يتجه على تقدير إدراك العقل عدم تداركه بما هو أصلح للعبد ولعل الأمر بالفعل الضّرري لدفع ضرر أشدّ منه بدني أو مالي أو غيرهما أو منفعة كذلك أو لمجرد الابتلاء وبالجملة أنّ أمر الشّارع بفعل ضرري يكشف عن وجود مصلحة فيه فائقة على الضّرر الحاصل منه لقبح الإضرار من الحكيم على الإطلاق وهذا ليس بمجرّد احتمال حتّى يدفع بالأصل كما توهّم فتعين أن تكون القاعدة من الأدلة النقلية الثابتة بالأخبار المتقدّمة وهل هي في عرض سائر القواعد حتّى يلتمس الترجيح في موارد التعارض أو هي حاكمة عليها والأوّل يظهر من غير واحد من المتأخرين قال المحقّق القمي ره قاعدة لزوم البيع تعارض قاعدة الضّرر وبينهما عموم من وجه ويحكم بالخيار ترجيحا للثّاني من جهة العقل والعمل وغيرهما ولو كانت من باب الأصل لما عارضت الدّليل انتهى ونقل المصنف رحمهالله عن الفاضل النّراقي والثّاني هو المختار وفاقا للمصنف رحمهالله ويدل عليه وجوه أحدها ما أشار إليه المصنف رحمهالله من قياس هذه القاعدة على نظائرها من سائر القواعد من قاعدة العسر وغيرها فكما أنّ قاعدة العسر تقدّم على سائر أدلة التكاليف من دون ملاحظة الترجيح بينهما كذلك هذه القاعدة وثانيها ما أشار إليه المصنف رحمهالله من ورود أخبار هذه القاعدة في مقام الامتنان على العباد وهو إنّما يتحقق فيما كانت العمومات والمطلقات مثبتة للتكاليف مطلقا حتّى في مورد الضّرر ليكون رفعها بهذه الأخبار عن موارد الضّرر منّة على العباد ولا نعني بالحكومة سوى هذا المعنى ولو لم تكن العمومات والمطلقات مقتضية لثبوت مقتضياتها مطلقا حتّى في موارد الضّرر لم يكن للامتنان معنى في المقام وثالثها أنّ معنى الحكومة كما أشار إليه المصنف رحمهالله أن يكون أحد الدليلين متعرّضا بمدلوله اللّفظي للآخر ومبيّنا للمراد منه إمّا بالتعميم في موضوعه أو التخصيص فيه أمّا الأوّل فمثل ما دلّ على الطّهارة بالاستصحاب أو بشهادة العدلين لحكومته على ما دلّ على أنّه لا صلاة إلاّ بطهور بالتعميم في موضوع الطّهارة في الدّليل المحكوم عليه لدلالته على كون المراد بها فيه أعم من الطّهارة الواقعية والثابتة بالاستصحاب أو البيّنة وذلك لأن دليل الاستصحاب أعني قوله لا تنقض اليقين بالشكّ متعرض بمدلوله اللّفظي لبيان حال ما دلّ على أنّه لا صلاة إلاّ بطهور مثلا وكذا دليل حجية البينة إذا قامت على طهارة ثوب المصلّي فإنّهما يبيّنان ويفسّران المراد بالطّهارة في قوله عليهالسلام لا صلاة إلاّ بطهور وأنّها أعمّ من الطّهارة المعلومة والطّهارة المستصحبة وما قامت عليه البيّنة وأمّا الثّاني فكقاعدة الضّرر أو العسر أو غيرهما لدلالتهما على كون المراد بمتعلق التكليف في سائر العمومات والمطلقات ما عدا موارد الضّرر والعسر فتعرض الدّليل الحاكم لبيان المراد بالدليل المحكوم عليه تارة يكون بالتّعميم في موضوع الدّليل المحكوم عليه وأخرى بالتخصيص فيه وممّا ذكرناه قد ظهر أنّ الأخبار الواردة في مقام بيان هذه القاعدة بالنسبة إلى أدلة التكاليف من قبيل ذلك لأنّ مقتضاها نفي الحكم الضّرري من بين الأحكام فهي تنادي بأعلى صوتها عدم تشريع حكم ضرري في جملة الأحكام الّتي تثبت بمقتضى أدلتها فكلّ حكم في مورد الضّرر غير مجعول للشّارع فهذه الأخبار مفسّرة ومبيّنة بمداليلها اللّفظية لحال سائر العمومات والمطلقات ومصرّحة بعدم شمولها لموارد الضّرر فلا تعارض بينهما حتى يلتجأ إلى ملاحظة التّرجيح في موارد الاجتماع إذ لا معنى للتعارض مع كون أحد الدّليلين مفسّرا للمراد بالآخر إمّا بالتعميم أو التخصيص فيه كما أشرنا إليه نعم لورود دليل خاص على ثبوت حكم ضرريّ في مورد خاص كان مخصصا لهذه القاعدة لعدم كونها من القواعد التي لا تقبل التخصيص ورابعها أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله وبعض خلفائه المعصومين عليهمالسلام قد استدلاّ بهذه القاعدة في مقابل سائر العمومات والمطلقات المثبتة للتكليف من دون ملاحظة الترجيح بينهما كما في قصّة سمرة ومسألة الشفعة وغيرهما ممّا تقدّم ولو لا قضية الحكومة بينهما لا يبقى وجه لتقديمها عليه من دون ملاحظة ترجيح بينهما وخامسها سيرة العلماء كما صرّح به المصنف رحمهالله في بعض رسائله قال في تقريبه عليه جرت سيرة الفقهاء في مقام الاستدلال في مقامات لا يخفى منها استدلالهم على ثبوت خيار الغبن وبعض خيارات أخر بقاعدة نفي الضّرر مع وجود عموم النّاس مسلّطون على أموالهم الدّال على لزوم العقد وعدم سلطنة المغبون على إخراج ملك الغابن بالخيار عن ملكه انتهى (قوله) ثمّ إنّه
