مقرونا بحكم الشّارع بالضمان وكذلك تمليك المغبون ماله من غيره بإزاء ما دونه في القيمة من دون جبرانه بالخيار وهكذا ويرد عليه أوّلا أنّه مجاز فلا يصار إليه بلا دليل وثانيا منع صحة التنزيل بمجرد حكم الشّارع بالتدارك إذ التّنزيل إنّما يصح مع التدارك فعلا لا بمجرّد الحكم به فتأمل وثالثا أن الفقهاء ربّما يتمسكون بقاعدة الضّرر في نفي وجوب الوضوء مع الضّرر في استعمال الماء وفي نفي وجوب الحجّ مع العلم أو الظنّ بالضّرر في الطّريق ونحوهما مع عدم تحقق الجبران في أمثالهما على تقدير وقوع التكليف وبالجملة أنّ الفقهاء لم يفرقوا في موارد القاعدة بين الضّرر العائد إلى نفس المكلّف وغيره ورابعا أن لفظ في ظاهر في معنى الظرفية وعلى هذا المعنى لا بد أن يجعل بمعنى السّببية إذ الإسلام عبارة عن نفس أحكام الشّرع ولا معنى لنفي الضّرر غير المتدارك في الإسلام إلاّ بجعل لفظ في بمعنى السّببيّة كما لا يخفى (قوله) لأنّ فعل البادئ منهما إلخ أي الأوّل منهما وفي بعض النّسخ الثّاني بدل البادئ والصحيح هو الأوّل وحاصله أنّه لو كان المراد بالرّواية نفي حكم شرعيّ ينشأ منه ضرر على أحد لا يبقى معنى للفقرة الثّانية أعني قوله ولا ضرار إذا أخذ بمعنى المجازاة أو فعل الاثنين أمّا على الأوّل فإنّه إذا أضرّ أحد غيره فبراءة ذمّة الضّارّ عن تدارك ما أدخل عليه من الضّرر منفية بالفقرة الأولى فلا بدّ من تداركه بالضّمان وهذا الحكم الوضعي أيضا منفي بالفقرة الثّانية لأنّ الضّمان حكم وضعي يترتب عليه ضرر على الضارّ أيضا بعنوان المجازاة فهو منفي بها وأمّا على الثّاني فإنّ شخصين إذا أضرّ كلّ منهما بالآخر فالبادئ منهما ضرر منفي بالفقرة الأولى والضّرار حينئذ إنما يتحقق بفعل الثّاني لا بفعلهما ولعلّ من فسّره بمعنى الجزاء أخذه من معنى المضارة بمعنى فعل الاثنين لا أنّه معنى مستقل بحياله (قوله) لكن لا بد أن يراد بالنهي إلخ فيه تعريض على صاحب الجواهر لأنّه كما تقدّم سابقا ادّعى كون المراد بالنفي في الرّواية معنى النّهي وأنّه لا يدلّ على الفساد وعن المحقق القمي ره أيضا منع الملازمة بينهما على تقدير كون المراد بالنفي معنى النّهي (قوله) ثمّ إنّ هذه القاعدة حاكمة إلخ اعلم أنّا قد أشرنا سابقا إلى أنّ الكلام في تأسيس كلّ قاعدة يقع تارة من حيث بيان الدّليل المثبت لها وأخرى من حيث دلالتها ومقدارها وثالثة من حيث المعارض وعدمه وقد أشار المصنف رحمهالله إلى الأولين وأراد أن يشير إلى الثالث هنا وليعلم أنّه ليس في الكتاب والسّنة ما يعارض هذه القاعدة كليّة بأن يدلّ على عدم نفي الضّرر في الأحكام عموما نعم قد يدل دليل خاص على ثبوت حكم خاص في مورد الضّرر فيكون هذا الدّليل مخصّصا لعموم القاعدة وقد تكون العمومات مثبتة للحكم على وجه العموم فتشمل موارد الضّرر أيضا فيقع التعارض بينها وبين هذه القاعدة بالعموم من وجه وقد اختلف كلماتهم في تقديم هذه القاعدة أو ملاحظة المرجّحات واختار المصنف رحمهالله الأوّل بدعوى حكومة هذه القاعدة عليها وإن شئت زيادة توضيح لذلك نقول إنّك قد عرفت ممّا ذكرناه وذكره المصنف رحمهالله أنّ هذه القاعدة ممّا استفاضت بها الأخبار بل ادعى الفخر تواترها وهي المناسبة للملة السّمحة السّهلة إلا أنّ الإشكال في أنّها من قبيل الأصول فتعتبر حيث لا دليل على خلافها عموما وخصوصا حتّى يقال إنّ الأصل عدم هذا الحكم الضّرري إلاّ أن يثبت خلافه بدليل خاصّ أو عام ليكون جميع العمومات مقدّما عليها أو هي من قبيل الأدلّة وعليه فهل هي من قبيل الأدلة اللّفظية أو العقلية وعلى الأوّل فهل هي فائقة على سائر العمومات أو في عرضها حتّى يلتمس التّرجيح عند معارضتها معها وجوه أمّا الأوّل فهو لازم كلّ من قال بتدارك الضّرر المرتب على العمل بالحكم الشّرعي بالمثوبة الأخرويّة أو غيرها بمعنى عدم تحقق موضوع الضّرر حينئذ كما يظهر من صاحبي العوائد والعناوين لأنّ أدلة الأحكام إمّا مثبتة لنفس الحكم الضّرري كأوامر الزكاة والخمس والجهاد أو ما يشمل ذلك كالأمر بالوضوء الشّامل لصورة استلزام استعمال الماء للضّرر وعلى أيّ تقدير فالأمر يكشف عن وجود مصلحة في موارده فائقة على الضّرر الحاصل منه إذ الأوامر كالنواهي لا بدّ من أن تنشأ من وجود مصلحة في متعلقها سوى المثوبة الحاصلة من إطاعتها وامتثالها فكل مورد ضرري يشمله الدّليل خصوصا أو عموما أو إطلاقا لا تشمله أدلّة نفي الضّرر فيختص مورد هذه القاعدة كموارد الأصول العملية بموارد عدم وجود الدّليل عليها ومن هنا يظهر فساد فرض التعارض بين هذه القاعدة على هذا التقدير أعني تقدير تسليم تدارك الضّرر بالمثوبة الأخرويّة وبين عمومات التكليف على ما عرفته من صاحبي العوائد والعناوين وحاصل ما ذكره بعد التّصريح بعدم تحقّق موضوع الضّرر فيما كان في مقابله نفع آجل أو عاجل أنّ كلّ ما ورد في الشّرع من الأحكام بعد وجود النّفع الأخروي في الجميع بل النفع الدّنيوي من دفع بليّة وحفظ مال وزيادة نعمة كما هو مقتضى الآيات والأخبار في الزّكاة والصّدقة ونظائرها لا يعدّ ضررا حقيقة وذلك واضح بل ذلك في الحقيقة نفع لأنّ ما يصل إلى المكلّف بذلك من الخير أضعاف ما أصابه من النقص ظاهرا وما ورد من مثل القصاص ونحوه فإنّما هو جبر لما وقع من الضّرر وكذلك الدّية ونحوها على ما قرّره الشّارع الحكيم وكل ما فيه تحمل المنقصة مقابل بمثوبة لا يخفى على من اعتقد بوعد الحق فلا ينتقض بورود ما هو ضرر في الشريعة ولا يلزم من ذلك عدم إمكان معارضة دليل بقاعدة الضّرر نظرا إلى كشفه عن نفع دنيوي أو أخروي إذ الأصل عدم تحقق ذلك والفرض أنّ كونه ضررا في الظّاهر مقطوع به ومقابلته بالنفع محتملة فيما لم يقم دليل قويّ محكم دالّ على ثبوته فإذا تعارض مثلا دليل دالّ على ثبوت ضرر مع دليل نفيه بالعموم من وجه لا يعلم من ذلك تخصيص أحد الدّليلين بالآخر حتّى يعلم أنّه ليس من الضّرر فلا بد من دليل راجح مخصّص لذلك حتى نعرف أنّه خارج من هذا الموضوع فتدبّر جدّا وتوضيحه أن الدّليل المثبت على قسمين قسم دالّ على نفس الضّرر كالزكاة والحجّ ونحوهما ولا ريب أنّه بعد دلالة الدّليل على ذلك نعرف أنه ليس بضرر وقسم ليس كذلك فإن دليل وجوب الحجّ والتوضّي يشمل ما لو كان فيه ضرر بدني مثلا ولا يمكن أن يقال إنّه ليس بضرر إذ ما ثبت من الدّليل العوض على الوضوء والحجّ لا على المضارّ الأخر الموجودة في ضمنهما ووجود المقابل للطبيعة لا يرفع الضّرر في اللّواحق وقس على ذلك ما يرد عليك من نظائر ما دفعناه بقاعدة الضّرر انتهى محصّل ما ذكره ووجه الفساد يظهر ممّا أسلفناه لأن تسليم شمول أدلة وجوب التوضّي والحجّ بعمومها لما فيه الضّرر البدني مثلا لا يجامع دفع ما يتدارك به الضّرر الحاصل منهما بالأصل ولا وجه لدعوى كون النفع العائد منهما محتملا إذ مع تسليم شمول عموم الأدلّة لصورة الضّرر فهو يكشف عن وجود مصلحة في الفعل يتدارك بها الضّرر الحاصل به سوى المثوبة الحاصلة بالإطاعة كيف لا ولو فرض أمر الشّارع بخصوص من يتضرر باستعمال الماء بالتوضّي فلا ريب في عدم قبحه لكشف الأمر عن وجود مصلحة فائقة على
