أمر بقلع عذق سمرة استنادا إلى قاعدة الضّرر واندراج الواقعة فيها لأن تردّد سمرة إلى عذقه كما أنّه كان ضررا على الأنصاري كذلك قلع عذقه ضرر عليه فكيف قدم أحد الضررين على الآخر مع تساويهما في الاندراج تحت القاعدة والجواب مع عدم قدح هذا الإشكال في الاستدلال أنّ سمرة كان قاصدا للإضرار على الأنصاري ولم يكن مقصوده مجرّد الانتفاع بعذقه وإن استلزم ضرر الأنصاري ولا ريب في حرمة الإضرار مع قصده ومن هنا يظهر شمول الرّواية لصورة قصد الإضرار ولكن ليس المورد مخصصا لعموم اللّفظ(قوله) وأمّا معنى اللّفظين إلخ لا إشكال في معنى الضّر وأنّه ضدّ النّفع والمستفاد ممّا نقله عن الصّحاح أنّ المصدر هو الضّر واسم المصدر هو الضّرر وأنّ المجرّد والمفاعلة منه بمعنى واحد وقيل الضّر بالفتح ضدّ النفع وبالضمّ الهزال وسوء الحال وأمّا لفظ الضّرار ففي مفهومه إجمال كما يظهر ممّا نقله عن النهاية إلاّ أنّه لا يضرّ بالاستدلال بالأخبار بعد تبين مفهوم لفظ الضّرر هو الاسم والضّرار هو المصدر فيكون منهيّا عن الفعل الّذي هو المصدر وعن إيصال الضّرر الذي هو الاسم ويظهر من النهاية كون الضرار مصدرا للمجرّد كما أنّه مصدر للمفاعلة(قوله) يتعدى بنفسه إلخ مثل كبّه وأكبّ به وقد ذكر في أخر المصباح في فصل تعدية الثلاثي اللاّزم أربعة عشر موضعا تعدّى فيها الثلاثي وقصر رباعيّه ولم يذكر مادة الضّرر منها هناك (قوله) بعد تعذر إرادة إلخ لوجود الحقيقة في الشّرع والعادة بديهة وبعد تعذر إرادتها اختلفوا في المعنى المراد من اللّفظ على وجوه أحدها ما ذكره المصنف رحمهالله من أنّ المراد نفي الضّرر المشروع بمعنى عدم جعل الشّارع حكما يلزم منه ضرر على أحد تكليفيا كان أو وضعيّا فكل حكم تكليفي أو وضعي يلزم من جعله أو إمضائه شرعا ضرر على أحد من قبل الله تعالى أو من قبل العباد فهو منفي شرعا وغير مجعول لله تعالى ولا ممضي عنده وهذا أظهر الوجوه في معنى الرّواية إذ لا يرد عليه سوى لزوم المجازية في الظرف أعني قوله في الإسلام إذ لا بدّ حينئذ من أخذ لفظ في بمعنى السّببية لأنّ المراد بالإسلام هو الأحكام الشرعية والضّرر مرتّب عليها ومسبّب عنها لا مستقر فيها حتّى يتم معنى الظرفية ولكن لفظ في الإسلام لم يرد إلاّ في بعض الرّوايات المتقدّمة مع أن هذا المحذور أهون من سائر المحاذير الواردة على سائر الوجوه لمساعدة فهم العرف عليه وأمّا ما أورده عليه المصنف رحمهالله من منافاته للفقرة الثّانية أعني قوله ولا ضرار بمعنى المجازاة أو فعل الاثنين فمع ورود هذا الإشكال على كلّ تقدير وعدم اختصاصه بهذا الوجه أنه إنّما يرد على تقدير أخذه بأحد المعنيين المذكورين وهو غير متعين لاحتمال التأكيد فيه كما تقدّم وبالجملة أنا قد أشرنا إلى أن لفظ الضرار في الرّواية مجمل وأنّه غير مصادم للاستدلال بالفقرة الأولى أعني قوله لا ضرر لظهوره عرفا ولغة في ضدّ النّفع وكيف كان فالاستدلال بالرّواية على هذا الوجه على إثبات حكم وضعي إنّما هو باعتبار كون نفي الحكم الضّرري مستلزما لحكم وضعي مثل نفي لزوم البيع مع الغبن لاستلزامه الخيار للمشتري وجواز العقد بالنسبة إليه ونفي براءة ذمّة الضّار عن تدارك ما أدخله من الضّرر المستلزم لضمانه وهكذا وثانيها ما احتمله المصنف رحمهالله من أخذ النفي بمعنى النهي بأن كان إنشاء التحريم مرادا من الجملة وهذا المعنى محكي عن البدخشي قال الضّرر والضرار ممنوع منه شرعا وتحقيق ذلك أن النفي هاهنا بمعنى النّهي بقرينة أصل الضّرر الواقع انتهى ويؤيده قول النّبي صلىاللهعليهوآله في قضية سمرة إنّك رجل مضارّ حيث ذمّه على فعل الضّرر وثالثها أن يكون النفي باقيا على ظاهره ويكون مدخوله مقيدا بالإذن من الشّارع والمعنى لا ضرر مأذونا فيه شرعا ولا ضرار كذلك في الإسلام فكل فعل يكون فيه ضرر على الغير يكون غير مأذون فيه شرعا فيكون حراما فيرجع هذا المعنى إلى سابقه ويرد عليهما أولا أن حمل الجملة الخبرية على معنى الإنشاء وكذا التقدير فيها خلاف الظّاهر ولو بمعونة ملاحظة نظائرها مثل قوله لا عسر ولا حرج في الدّين مضافا إلى أصالة عدمها وثانيا أن حمل النفي على إرادة معنى التحريم لا يتم في رواية الشفعة المتقدّمة إذ ليس فيها فعل يتعلق به التحريم مع أن الصّادق عليهالسلام قد أثبت الشفعة فيها بقاعدة الضّرر لأنه إذا باع أحد الشّريكين حصّته من المال المشترك فيه فالفعل الّذي يمكن تعلق النّهي به إمّا إيقاع العقد أو إبقاؤه والأوّل غير حرام بلا إشكال والثّاني لا يعقل تعلق النّهي به لأن الإبقاء إنّما هو فعل الله تعالى دون المكلّف مع أن حرمة الإبقاء لا تستلزم ثبوت الشفعة لعدم المنافاة بين حرمة إبقائه وعدم ثبوت حقّ الشفعة للشفيع نظير عدم استلزام حرمة بيع الزاد والرّاحلة على المستطيع للفساد وكذا لو باع ثوبا واشترط في ضمن العقد أن يبيعه ثوبا آخر فإنّ بيع الثوب الآخر من الغير حرام لأجل وجوب الوفاء بالشّروط ولا تستلزم حرمته الفساد والوجه في ذلك كلّه عدم تعلق النّهي بذات المعاملة وأركانها لتعلق النّهي في الأوّل بتفويت الحجّ وفي الثّاني بعدم الوفاء بالشّرط وثالثا أنّ العلماء قد استدلوا خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل بهذه القاعدة في باب الخيارات من خيار الغبن والعيب ونحوهما ولا حرمة في البيع المغبون فيه ولا في بيع المعيب كيف لا وقد يجهل المتبايعان بالغبن والعيب ولا معنى للتحريم حينئذ ورابعا أن متعلق الحرمة هو أفعال العباد دون الأحكام مع أن العلماء ربّما يستدلون على الأعمّ منهما ولذا ترى أنّهم يقولون بعدم وجوب الوضوء فيما استلزم استعمال الماء الضّرر استنادا إلى هذه القاعدة وكذا بعدم وجوب الحجّ مع العلم أو الظنّ بالضّرر في الطّريق ولا معنى لحرمة إيجاب الوضوء والحجّ على الله تعالى عن ذلك هذا ويمكن دفع ما عدا الأوّل بحمل النّهي على بيان الحرمة التشريعيّة دون الذّاتيّة بأن يراد بتحريم الضّرر تحريم الالتزام بالحكم الّذي يترتب عليه الضّرر لوضوح حرمة الالتزام بالحكم المنفي شرعا ولعله لأجل ذلك قد صرّح المصنف رحمهالله برجوع المعنى الثّاني إلى الأوّل لوضوح ثبوت الحرمة على المعنى الأوّل أيضا لما عرفت من استقلال العقل بقبح الالتزام بالحكم المنفي شرعا غاية الأمر أنّ الحرمة على المعنى الأوّل تكون ثابتة بحسب العقل وعلى المعنى الثّاني مصرحا بها في الرّواية وخامسا أنّ حمل نفي الضّرر على إرادة النّهي عنه لا يناسبه تقييده بقوله في الإسلام إذ الإسلام عبارة عن نفس أحكامه سبحانه فيصير المعنى حينئذ يحرم فعل الضّرر في الأحكام ولا ريب في هجنته الهجنة في الكلام العيب مصباح ورابعها وهو ما يستفاد ممّا نقله المصنف رحمهالله عن الفاضل التّوني أن يكون المراد نفي الضّرر المجرد عن التدارك والجبران في الإسلام لا بدعوى حذف قيد الجبران بل بدعوى كون الضّرر المتدارك غير ضرر ادعاء كدعوى دخول الشجاع في جنس الأسد على مذهب السّكاكي فلا حذف حتّى ينفي بالأصل إذ كما أن ما يحصل بإزائه نفع كدفع مال بإزاء عوض مساو له أو أزيد لا يسمّى ضررا كذلك الضّرر المقرون بحكم الشّارع بلزوم تداركه منزل منزلة عدمه وإن لم يسلب عنه مفهوم الضّرر حقيقة بمجرّد حكم الشّارع بالتدارك فإتلاف المال بلا تدارك ضرر صاحبه إن وجد في الخارج فهو منفي فلا بدّ أن يكون
