الطهارة عند شرح قوله ففي الرّجوع إلى طهارة الماء للشك في كون ملاقاته مؤثرة إلى آخر ما ذكره فراجع ولكنّك خبير بأنّ الأولى في الاعتراض على المشهور أن يقال بأن الانفعال في قوله صلىاللهعليهوآله الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجسّه شيء مرتب على عدم الكرّية دون القلّة وعدم الانفعال على حصول الكرية فأصالة عدم حدوث الكرّية إلى زمان حصول الملاقاة فيما علمت الكرية والملاقاة وشكّ في المتقدّم منهما تقتضي كون الملاقاة مؤثرة في الانفعال وأمّا أصالة عدم حدوث الملاقاة إلى زمان حصول الكرّية فلا يترتب عليها أثر لعدم ترتب عدم الانفعال على عدم الملاقاة إلى زمان حصول الكرّية بل على حصول الملاقاة في زمان الكرية لأنّ هذا وإن كان لازما عقليّا لعدم حدوث الملاقاة إلى زمان حصول الكرّية إلاّ أنّ الأصل المذكور لا يثبته إلاّ على القول بالأصول المثبتة وبالجملة أنّ الأصلين إذا لم يترتب على مقتضى أحدهما أثر شرعي لا يعارض ما ترتب عليه ذلك كما قرّر في محلّه تنبيه اعلم أنّ المصنف رحمهالله قد تبع المحقّق القمي فيما نقله عن صاحب الوافية والموجود فيها بعد بيان جملة من معاني الأصل هكذا اعلم أنّ هنا قسما من الأصل كثيرا ما يستعمله الفقهاء وهو أصالة عدم الشيء وأصالة عدم تقدم الحادث بل هما قسمان والتحقيق أنّ الاستدلال بالأصل بمعنى النفي والعدم إنّما يصحّ على نفي الحكم الشّرعي بمعنى عدم التّكليف لا على إثبات الحكم الشّرعي ولهذا لم يذكره الأصوليّون في الأدلة الشّرعية وهذا يشترك فيه جميع أقسام الأصل المذكورة مثلا إذا كان أصالة براءة الذّمة مستلزمة لشغل الذّمة من جهة أخرى فحينئذ لا يصحّ الاستدلال بها ثم ساق الكلام في ذكر جملة من أمثلة أصالة البراءة وأصالة العدم ممّا كان إجراؤهما فيه مستلزما لثبوت التكليف من جهة أخرى إلى أن قال وكذا في أصالة عدم تقدم الحادث فيصح أن يقال في ماء وجد فيه نجاسة بعد الاستعمال ولم يعلم هل وقعت النجاسة قبل الاستعمال أو بعده الأصل عدم تقدّم النجاسة فلا يجب غسل ما لاقى ذلك الماء قبل رؤية النجاسة ولا يصح إذا كان شاغلا للذّمة كما إذا استعملنا ماء ثمّ ظهر أنّ هذا الماء كان قبل ذلك نجسا ثمّ طهر بإلقاء كرّ عليه دفعة ولم يعلم أن الاستعمال هل كان قبل تطهيره أو بعده فلا يصحّ أن يقال الأصل عدم تقدّم تطهيره فيجب إعادة غسل ما لاقى ذلك الماء في ذلك الاستعمال لأنّه إثبات حكم بلا دليل لأن حجيّة الأصل في النفي باعتبار قبح تكليف الغافل ووجوب إعلام المكلّف بالتّكليف فلذا يحكم ببراءة الذّمة عند عدم الدّليل فلو ثبت حكم شرعيّ بالأصل يلزم إثبات حكم من غير دليل وهو باطل إجماعا انتهى ثم إنّه بعد أن أورد شطرا من الكلام في البين قال اعلم أن لجواز التمسّك بأصالة براءة الذّمة وبأصالة العدم وبأصالة عدم تقدم الحادث شروطا أحدها ما مرّ من عدم استلزامه لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى وثانيها أن لا يتضرر بسبب التمسّك به مسلم وذكر في بيانه ما يقرب ممّا نقله المصنف رحمهالله وثالثها أن لا يكون الأمر المتمسّك فيه بالأصل جزء عبادة مركبة فلا يجوز التمسّك به لو وقع الاختلاف في الصّلاة هل هي ركعتان أو أكثر أو أقل في نفي الزائد وعلى هذا القياس بل كلّ نصّ بيّن فيه أجزاء ذلك المركب كان وإلاّ على عدم جزئية ما لم يذكر فيه فيكون نفي ذلك المختلف فيه حينئذ منصوصا لا معلوما بالأصل كما لا يخفى انتهى وغير خفي أنّ ما ذكره مثالا لأصالة عدم تقدّم الحادث غير منطبق على ما نقله عنه المصنف رحمهالله مثالا لها وهو المثال الثالث من الأمثلة الّتي نقلها لأنّ ما ذكره مفروض فيما كان المشكوك فيه تقدم وقوع النجاسة على الاستعمال وكذا تقدم الاستعمال على التطهير وفيما نقله عنه المصنف رحمهالله تقدم الكرّية على ملاقاة النجاسة وأقول في تحقيق ما ذكره من مثال الشكّ في تقدّم الكرّية على الاستعمال أنّ واحدا منهما إمّا أن يكون معلوم التاريخ بأن يعلم أن الماء النجس الملقى عليه الكرّ والمستعمل منه كان إلقاء الكرّ عليه وقت طلوع الشّمس ووقع الشكّ في تقدم الاستعمال على زمان إلقاء الكر عليه وتأخّره عنه أو علم زمان الاستعمال ووقع الشكّ في تقدم إلقاء الكر عليه وتأخّره عنه أو يجهل تاريخ كلّ منهما وعلى التقادير إمّا أن يكون المغسول به نجسا أو ظاهرا ولا بد من الحكم بطهارة المغسول على بعض التقادير الستة وبنجاسته على بعض آخر وأمّا إذا كان المغسول به نجسا وكان تاريخ الكرّية معلوما فقد يتوهم أنّ اللاّزم حينئذ هو الحكم بطهارة المغسول لأصالة عدم تقدّم الاستعمال على الكرية ويلزمه حصول الغسل بالكر وفيه ما لا يخفى لعدم ترتب طهارة الثوب المغسول به على الأصل المذكور فإن حصول الطهارة مرتب في الأدلّة على الغسل في الكرّ لا على عدم تقدم الاستعمال على إلقاء الكرّ نعم هو لازم عقلي له والأصل المذكور لا يثبته إلاّ على القول بالأصول المثبتة فلا بد حينئذ من استصحاب نجاسته وأمّا إذا علم تاريخ الاستعمال فأصالة عدم تحقق إلقاء الكر في زمان الاستعمال تقتضي بقاء نجاسة الثوب وعدم ارتفاعها بالغسل بالماء المذكور وإن شئت قلت الأصل بقاء نجاسته إلى زمان الاستعمال وأمّا إذا جهل تاريخهما فإمّا أن يقال حينئذ بأن مقتضى إجراء الأصلين هو الحكم بمقارنة الاستعمال لإلقاء الكر كما نقله المصنف رحمهالله عن المفصل فيما علم بحدوث الملاقاة والكرية وشك في المتقدّم منهما وحكي أيضا عن الشّهيد الثاني كما أسلفناه أو لا يقال بذلك لما أسلفناه هناك من كون المقارنة من الأمور الحادثة المسبوقة بالعدم فهي بنفسها مورد للأصل والأصلان إنما يثبتانها على القول بالأصول المثبتة وعلى الأوّل لا بد من الحكم ببقاء نجاسة الثوب كما قرّره المصنف رحمهالله فيما اعترض به على المفصّل نعم على هذا القول لا بدّ من فرض الكلام فيما نحن فيه فيما لم تكن المقارنة مقارنة لبقاء الثوب في الماء بعد إلقاء الكرّ بأن يفرض إخراج الثوب حين حصول المقارنة وإلاّ فلا بد من الحكم بزوال نجاسته وعلى الثاني لا بدّ من الحكم ببقاء النجاسة أيضا لأنّ مجهولي التاريخ لا يزيد على صورتي العلم بالتّاريخ لعدم خروجه منهما وقد عرفت أن مقتضاهما الحكم بالنجاسة وأمّا إذا كان المغسول طاهرا فحينئذ إن كان تاريخ إلقاء الكرّ معلوما يحكم بطهارة الثوب لما عرفت من عدم ترتب أثر شرعي على أصالة عدم تقدم الاستعمال على إلقاء الكر فيستصحب طهارته وإن كان تاريخ الاستعمال معلوما يحكم بتنجسه لما عرفت من أنّ مقتضى أصالة عدم تقدّم إلقاء الكرّ بمعنى عدم حدوثه في زمان احتمل فيه تنجّسه بالملاقاة ولا تعارضها أصالة بقاء طهارة الثّوب لحكومتها عليها لأنّ مقتضى الأولى كون الثوب مغسولا بالماء المتنجّس فيرتفع الشكّ في بقاء طهارته وفيه نظر لأنّ الحكم بتنجسه موقوف على إثبات نجاسة الماء في زمان الغسل بالدّليل أو الأصل والأوّل مفروض العدم والثاني لا يثبتها لأنّ غاية ما هنا هو استصحاب عدم إلقاء الكرّ إلى زمان الاستعمال واستصحاب بقاء النجاسة إلى زمانه وشيء منهما غير مفيد في المقام لأنّ استصحاب عدم إلقاء الكرّ إلى زمان الاستعمال لا يثبت كون الماء الموجود حين الاستعمال غير كرّ
