الفائتة بين الظهر والعصر وقد يتردد الأمر بينهما باعتبار الاشتباه والتردّد في بعض شرائط المكلف به مع العلم بمصداقه تفصيلا من غير جهة ما وقع فيه التردّد من بعض شرائطه كما مثّل به المصنف رحمهالله وكلا القسمين داخلان في موضوع النزاع في المسألة الرّابعة وإذا قرّر النّزاع في ثانيهما على نحو ما قرّره في تلك المسألة فلا بد أن يقال في مورد اشتباه القبلة أو اللّباس مثلا هل يجب الاحتياط بالصّلاة إلى الجهات الأربع وفي الثّوب الطّاهر والنجس أو يتخير في الصّلاة إلى الجهات وفي أحد الثوبين إلاّ أنّ المصنف رحمهالله قد ادعى أن ما كان من قبيل الثّاني ينبغي أن يقرّر النّزاع في أصل ثبوت الشّرطيّة وعدمه معلّلا ذلك بأن القائل بعدم وجوب الاحتياط ينبغي أن يقول بسقوط الشّروط عند الجهل لا بكفاية الفعل مع احتمال الشّرط ولعلّ الوجه فيه أن مرجع القول بالتخيير عند اشتباه بعض الشّروط إلى نفي الشّرطيّة لعدم ترتب أثر على أحدهما بالخصوص بخلاف ما لو جهل أصل المكلف به كالفائتة المردّدة بين الظّهر والعصر لأنّ أثر القول بالتخيير فيه هو عدم جواز المخالفة القطعية وأنت خبير بعدم صلوح ذلك للفرق لأن أثر القول بالتخيير عند اشتباه بعض الشروط أيضا قد يظهر في عدم جواز المخالفة القطعيّة فيها كما إذا ترددت القبلة بين جهتين أو اشتبه الثّوب النّجس بالطّاهر فلا يجوز الصّلاة إلى غيرهما من الجهات وفي غيرهما من الثياب نعم قد لا يمكن تحصيل القطع بمخالفة الشرط الذي اشتبه مصداقه إلاّ بمخالفة مشروطه كما فيما لو ترددت القبلة بين الجهات الأربع إلاّ أنّ ذلك بمجرده لا يصلح للفرق مطلقا لا يقال إنّه لا دليل على القول بالتخيير هنا إلا الوجهان اللّذان أشار إليهما المصنف رحمهالله وهما يقتضيان سقوط الشرطيّة لا التخيير بين المشتبهين لأنا نقول إن ما نقله عن المحقق القمي رحمهالله من الدّليل على القول بالتخيير فيما اشتبه مصداق الواجب يقتضيه فيما اشتبه مصداق الشّرط أيضا كما لا يخفى فالأولى في التعليل أن يقال إنّ للقائل بوجوب الاحتياط فيما اشتبه مصداق الواجب أن يمنع أصل الشّرطيّة هنا فلا معنى لدعوى وجوب الاحتياط حينئذ فلا بدّ أن يقرّر النزاع في أصل الشّرطيّة ولكن الإنصاف الأولى مع ذلك أن يقرّر النّزاع تارة في أصل الشرطيّة للوجهين اللذين ذكرهما وأخرى في ثبوت التخيير لما نقله عن المحقق القمي رحمهالله فتدبّر ثم لا يخفى أن ما ذكره المصنف رحمهالله في المقام جار بعينه في الشبهة الحكمية ممّا علم فيه الوجوب وتردد الواجب بين أمرين والقسمان السّابقان آتيان فيها أيضا والأوّل كتردّد الواجب بين الظّهر والجمعة والثّاني كتردّد شرط الصّلاة بين أمرين مع العلم بأصل الثبوت في الجملة وهنا أيضا يمكن منع الشّرطيّة لأنّ ما ذكره المصنف رحمهالله لذلك من الوجهين وإن لم يتأت أولهما هنا إلاّ أن ثانيهما جار فيه كما هو واضح ولعل المصنف رحمهالله قد اكتفي عن التنبيه على تعميم عنوان البحث لما يشمل الشبهة الحكميّة أيضا بما نبه عليه في آخر المسألة الأولى فتدبّر(قوله) وليس اشتراطه في مرتبة إلخ لأنّ شرائط العبادة على قسمين قسم سابق على الأمر بها وهو شرائط المأمور به كالقبلة والسّتر ونحوهما في الصّلاة وقسم مسبوق بالأمر ومترتب عليه وهو شرائط امتثال الأمر كنية التقرب بالمأمور به والحزم فيها وقصد الوجه لأنّ هذه الأمور متفرعة على ورود الأمر فلو كان مأخوذا في المأمور به لزم تقدّم الشيء على نفسه لأنّ الأمر بشيء مسبوق بتصوّر هذا الشيء مع ما يعتبر فيه من الأجزاء والشّرائط فلو كانت الأمور المذكورة معتبرة في نفس المأمور به لزم ما ذكرناه من المحذور وممّا ذكرناه قد ظهر الوجه فيما ذكره المصنف رحمهالله من عدم كون الأمور المذكورة في مرتبة سائر الشرائط وأمّا الوجه في كون اعتبار الجزم بالنيّة وقصد الوجه في حال التّمكّن من معرفة المأمور به مع شرائطه تفصيلا لأنّ مبنى اعتبارهما هو بناء العقلاء في أوامرهم العرفية لا دليل شرعي تعبدي في ذلك ولم يثبت بناؤهم على أزيد ممّا ذكرناه ثم إن ما حقق المصنف رحمهالله به المقام مبني على اعتبار الجزم بالنيّة وقصد الوجه وإلاّ فعلى المختار وفاقا للمصنف رحمهالله في غير المقام من عدم اعتبارهما في تحقق الامتثال ولذا قلنا بجواز سلوك طريق الاحتياط وترك طريقي الاجتهاد والتقليد فالأمر أوضح (قوله) على الوجه المتقدّم إلخ هذا مبني على كون الأمر بالاحتياط إرشاديا لا شرعيّا وقد تقدم توضيحه في المسألة الأولى من مسائل هذا المطلب عند شرح ما يتعلق بالطّريقين اللذين ذكرهما المصنف رحمهالله لكيفيّة قصد القربة بالمشتبهين وما ذكره هنا بقوله ويترتب على هذا إلى آخره بيان للثمرة للطريقين وقد أوضحناها هناك فإن قلت إنّ غاية ما ذكرت هناك صحّة قصد التقرّب بكل من المشتبهين إن كان الأمر بهما شرعيّا وبالواقع المعلوم إجمالا كما ذكره المصنف رحمهالله هنا وهناك إن كان الأمر بهما إرشاديّا وهذا ينافي الملازمة الكليّة من أن كلما حكم به العقل حكم به الشّرع لكون حكم العقل هنا بل في كل مورد كما صرّح به سلطان العلماء في بعض حواشي المعالم إرشاديا إلى ما في الفعل أو التّرك من مصلحة المكلّف فغاية ما يحكم به أن في فعل هذا أو تركه مصلحة المكلّف لا الأمر بأحدهما على طريق المولوية فإذا فرض حكم الشّرع على طبق حكم العقل فلا بد أن يكون حكم الشّرع أيضا إرشاديّا وإذا قلنا بصحّة قصد التقرّب بكل من المشتبهين إذا ثبت وجوبهما شرعا فلا بد أن نقول بذلك إذا ثبت وجوبهما عقلا أيضا قلت نعم إلاّ أن الملازمة المذكورة إنّما هي فيما أمكن ورود حكم شرعي فيه لوضوح عدم تأتيها فيما لم يكن كذلك وما نحن فيه من هذا القبيل إذ لا ريب أن الاحتياط طريق إطاعة للحكم المعلوم إجمالا غير قابل لجعل الشارع لأن العلم الإجمالي كالتّفصيلي طريق اضطراري عقلي منجز للتكليف بالواقع وعلّة تامّة عند العقل لوجوب الاحتياط في الظاهر ما لم يثبت جعل الشّارع أحد المحتملين بدلا عن الواقع كيف لا ولو كان قابلا لورود أمر شرعيّ عليه لاحتاج وجوب إطاعة هذا الأمر أيضا إلى أمر آخر وهكذا فيتسلسل ومن هنا حمل قوله تعالى (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) على الإرشاد ومع فرض عدم قابليته لورود أمر شرعي عليه بمعنى عدم قابليته للاتّصاف بالوجوب الشّرعي من حيث كونه احتياطا لو فرض إيجاب الشّارع لكلا المحتملين فلا بد أن يكون ذلك من باب الإرشاد لإمضاء حكم العقل أو من باب التعبد مع قطع النّظر عن كونه طريقا إلى امتثال الواقع وتعين قصد التقرّب بالواقع المعلوم مرتب على الأول وبكل من المشتبهين على الثّاني ولا يلزم من كون وجوب الاحتياط عقلا إرشاديا كونه شرعا كذلك ثم إنّه من التأمّل فيما ذكرناه يظهر فساد ما أورده المحقق القمي رحمهالله على الفاضل التّوني في دعواه عدم ترتب ثمرة على النّزاع في مسألة الحسن والقبح زاعما لورود الأمر الشّرعي في كلّ مورد ادعي فيه استقلال العقل
