صورة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة لا الواجب وغير الحرام كما في ما نحن فيه مضافا إلى جهالة القائل ولعلّه ممّن لا تقدح مخالفته في الإجماع فإن قلت إنّ مستندهم في عدم جواز خرق الإجماع المركّب هو الإجماع وهو مفقود في المقام قلت مع تسليم عدم الإجماع هنا أن الإجماع ليس دليلا تعبّديّا بل لأجل كشفه عن قول الإمام عليهالسلام وهذا المناط موجود في ما نحن فيه فالتنافي بين القول بجواز الرّجوع إلى أصالة البراءة هنا وعدم جواز خرق الإجماع المركب واضح جليّ نعم لا يرد هذا على قول صاحب الفصول بجواز الخرق مع فرض ثبوت شطري الإجماع المركّب بالأصل وعدم جوازه مع ثبوت أحدهما بدليل اجتهادي ولكن قد تبيّن فساده في محلّه وأمّا العقل فتقريبه واضح بعد صدق المعصية وقبحها عند العقل والعقلاء فدعوى اشتراط تنجز التكليف بالعلم التّفصيلي واضحة الفساد فإذن الأقوى ما قواه المصنف رحمهالله قدس الله روحه اللّطيف (قوله) أمّا الثّاني إلخ اعلم أنّ هنا أمرين وقبل الأخذ بالمطلوب لا بد من بيانهما أحدهما أنّه يظهر من المحقق القمي رحمهالله كون النّزاع في المقام في وجوب الاحتياط أو التخيير في الأخذ بأحد المشتبهين صغرويا وأن مرجعه إلى أن التكليف هل هو ثابت بالواقع من حيث هو حتى يجب الاحتياط أو بعدم جواز ترك مجموع الأمرين حتّى يكون العقاب مرتبا على تركهما معا لا على ترك أحدهما إن كان هو الواجب في الواقع فيثبت التخيير بينهما لا محالة وعلى تقدير ثبوت أحد الأمرين لا نزاع في الخصم فيه وإنّما النّزاع في إثباته وكل على شاكلته أقول يمكن تقريره معنويّا أيضا بأن كان النّزاع على تقدير ثبوت التكليف بالواقع في اقتناع الشّارع في امتثال الواقع بالإطاعة الاحتمالية لأدلّة البراءة بعد الفراغ عن عدم جواز المخالفة القطعيّة أو أنّه يجب الاحتياط استصحابا للشغل اليقيني بعد الإتيان بأحدهما وهو الظّاهر من المحقّق الخونساري في ما يأتي من كلامه في عبارة المصنف رحمهالله لأن ظاهره هناك كفاية الإطاعة الظنّية وإن لم يكن الظنّ معتبرا بالخصوص مع ثبوت التكليف بالواقع وثانيهما أن مقتضى الأصل على تقدير تقرير النّزاع صغرويا هو القول بالتخيير لأن القدر المتيقن من التّكليف هو عدم العقاب إلاّ على ترك مجموع الأمرين مع أنّ الأصل عدم اشتغال الذّمة بالواقع من حيث هو وعلى تقريره معنويا وجوب الاحتياط لقاعدة الاشتغال بعد عدم ثبوت كون أحد المشتبهين بدلا عن الواقع نعم المتعين على ما يظهر من المحقّق الخونساري من كفاية الإطاعة الظنّية هو جواز الاقتناع بالإطاعة الظنّية لفرض انقلاب أصالة حرمة العمل بالظنّ عنده بل عند كلّ من عمل بالأصول من باب الظنّ على ما هو ظاهرهم إلى أصالة جواز العمل به وبالجملة أنّه تلزم على الأوّل إقامة الدّليل على وجوب الاحتياط وعلى الثّاني إقامته على كفاية الإطاعة الاحتمالية أو الظّنّية وعلى الثّالث إقامته على لزوم الإطاعة القطعيّة وهو واضح (قوله) أمّا الأوّل فلأنّ إلخ حاصله كون ثبوت الخطاب العام مع عدم المانع من تنجز مقتضاه كما ستعرفه علة تامّة لاستقلال العقل بوجوب الاحتياط ويؤيّده بل يدلّ عليه بناء العقلاء إذ لا ريب في كون طريقتهم في امتثال أوامر الموالي مرجعا في معرفة امتثال الأحكام الشّرعيّة لكون كيفية امتثالها موكولة إلى طريقة العقلاء في إطاعة أوامرهم العرفيّة والاحتياط أيضا من جملة كيفيته كما نبّهنا عليه غير مرّة وبالجملة أنّ العلم الإجمالي عندهم كالتفصيلي في تنجز التّكليف به نعم بينهما فرق من جهة أخرى وهي أنّه يصحّ مع العلم الإجمالي أن يجعل الشّارع أحد المشتبهين بدلا عن الواقع بأن يقنع في امتثال الواقع بالإطاعة الاحتمالية الّتي هي المرتبة الوسطى بين الإطاعة القطعيّة والمخالفة القطعيّة فيكون الواقع حينئذ مراعى في الجملة لا مطروحا بالكليّة ولا ملحوظا بالجملة بخلاف العلم التفصيلي إذ لا مسرح لقضية البدلية فيه أصلا لوضوح التناقض بين مطلوبيّة الواقع تعيينا كما هو مقتضى العلم التّفصيلي وجعل شيء آخر بدلا عنه مخبرا بينهما نعم إثبات البدلية في صورة العلم الإجمالي يحتاج إلى دليل ومجرد احتمالها لا يمنع من حكم العقل بوجوب الاحتياط فلا يرد حينئذ أنّه مع احتمال البدليّة كيف تدعي استقلال العقل وبناء العقلاء على وجوب الاحتياط في المقام وإن شئت زيادة توضيح لذلك نقول إن ما ادعاه الخصم من جواز التخيير في الأخذ بأحد المشتبهين إمّا أن يكون مبنيا على منع المقتضي لوجوب الاحتياط أو على إبداء المانع منه أمّا الأوّل فبأن يدعى كون الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة أو منصرفة إليها مطلقا أو في حيّز الأوامر والنّواهي مثل أقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وعلى جميع التقادير ينحصر المأمور به والمنهي عنه في الأفعال المعلومة فلا يكون الجاهل مكلّفا بالواقع حتّى يجب الاحتياط وأمّا الثّاني فبأن يمنع بعد تسليم وضع الألفاظ للمعاني الواقعية من دون مدخليّة للعلم والجهل فيه وتسليم عدم الانصراف مطلقا من تنجز التّكليف مع الجهل بالمكلّف به إمّا عقلا وذلك أيضا إمّا لأجل عدم تمكّن المكلّف من امتثال الواقع مع الجهل به وإمّا لقبح توجيه الخطاب إلى الجاهل وإمّا لكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الواجب والحرام لفرض عدم وجوب أحد المشتبهين في الواقع فيكون الإتيان تشريعا محرّما وإمّا لفقد شرط من شروط المأمور به وهو الجزم بالنية في العبادة ولذا أوجب الحلّي الصّلاة عريانا لمن اشتبه ثوبه الطّاهر بالنّجس أو شرعا لأدلّة البراءة ويرد على الأوّل أمور أحدها لزوم تقييد جميع إطلاقات الكتاب والسّنّة بالعالمين وهو خلاف الأصل الثّاني لزوم التّصويب الباطل لاختلاف الأحكام حينئذ باختلاف آراء المجتهدين واعتقاداتهم لعدم وجود حكم واقعي حينئذ ولو شأنا في حقّ الجاهل مع تقيّد موضوعه بالعلم الثّالث لزوم الدّور كما نقله المصنف رحمهالله عن الفاضل الرّابع لزوم جواز المخالفة القطعيّة لفرض عدم وجود حكم واقعي في حقّ الجاهل والمفروض الفراغ من بطلانه فلا وجه للقول بالتخيير حينئذ كما هو محلّ الكلام ويرد على الثّاني أمّا على دعوى عدم التّمكن من الامتثال فإنّها ممّا يكذبه إمكان الاحتياط بل حسنه عقلا وشرعا كيف لا ولو صرّح الشّارع بأنّي إذا أمرتكم بشيء واشتبه عليكم هذا الشّيء وتردّد بين أمرين أوجبت عليكم أن تحصلوا مرادي ولو بالاحتياط لا تلزم عليه غائلة أصلا مضافا إلى ما نقله المصنف رحمهالله من اعتراف الخصم بجواز تكليف الجاهل في الجملة وأمّا على دعوى قبح الخطاب فإنّها أضعف من سابقها كما أوضحه المصنف رحمهالله وأمّا على دعوى دوران الأمر بين الوجوب والحرمة فلعدم تأتي احتمال التشريع مع إتيان الفعل بعنوان الاحتياط إلاّ على الوجه الذي سيشير المصنف رحمهالله إليه وإلى دفعه وأمّا على دعوى عدم تحقّق الجزم بالنيّة فلمنع وجوبه فيما لا يتمكن المكلّف من معرفة المكلّف به تعيينا مضافا إلى إمكانه في المقام بقصد الوجوب الظّاهري بكل من المشتبهين لكن يشير
