فلا إشكال حينئذ في وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين من دون تعليق على تحقق الابتلاء وعدمه لفرض تنجز التكليف حينئذ بالواقع على كل تقدير وإن لم تعدّ الواقعة الثانية مبتلى بها للمكلف عند الأولى وضابط المقام أنّ الخطاب الصّادر عن الشّارع إمّا أن يتأخر فيه زمان الفعل عن زمان التكليف بأن قال في يوم الخميس أوجبت اليوم عليك الغسل في يوم الجمعة مثلا وإمّا أن يتحد زمانهما وعليه إمّا أن يتحد زمانهما مع زمان صدور الخطاب وتوجّهه إلى المخاطب بأن قال اجتنب عن النجس وكان النجس موجودا ومحل ابتلاء له حين الخطاب وإمّا أن يتأخر زمانهما عن زمانه بأن قال إذا كان يوم الجمعة اغتسل فيه بأن كان الزّمان شرطا للوجوب أيضا لا ظرفا للواجب خاصّة والأولان من أقسام الواجب المطلق وخص صاحب الفصول أولهما باسم المعلّق وثانيهما باسم المطلق والثّالث هو المشروط وقد بسطنا الكلام في تحقيق ما يتعلق بذلك في كتابنا المسمّى بغاية المأمول وحينئذ إذا اشتبه متعلق التكليف بين أمرين فلا إشكال في وجوب الاحتياط في الأوّلين وكذا في وجوبه في الثالث مع العلم بتحقق الشّرط وكذلك في عدم وجوبه مع العلم بعدم تحققه بل ومع الشك فيه أيضا لعدم العلم بوجود المقتضي له وهو العلم بتوجّه الخطاب المنجز الّذي يعاقب على مخالفته على كل تقدير وممّا ذكرناه يظهر وجه النّظر في ما أطلقه المصنف رحمهالله من عدم وجوب الاحتياط بل جواز المخالفة القطعيّة في ما لا تعدّ الواقعة الثانية محلّ ابتلاء للمكلّف عند الواقعة الأولى لما عرفت من عدم تماميّة ذلك في التكليف المعلق على ما اصطلح عليه صاحب الفصول إلاّ أنّ الظاهر أنّ إطلاق المصنف رحمهالله مبني على ظاهر الخطابات الشّرعيّة المتعارفة فإنّها لا تخرج من القسمين الأخيرين سواء وقع التعبير فيها في ما ذكر الزمان فيه قيدا للكلام بقولنا إن كان وقت كذا فافعل كذا أو بقولنا افعل كذا في وقت كذا كما أوضحناه في مبحث المقدّمة في كتابنا المذكور فراجع حتّى تطلع على حقيقة الحال (قوله) لكنّ الأظهر إلخ لتحقق الابتلاء لكل من طرفي الشبهة بحسب العرف في المثالين بخلاف مثال الحيض نعم لو فرض تردد الأمر فيه أيضا بين أوّل الشّهر والرّابع والسّابع كان كالأولين أيضا وبالجملة أنّ المدار في الابتلاء وعدمه على حكم العرف ولطول الزّمان وقصره مدخل في حكمهم بالنسبة إلى الأفعال المتدرجة في الوجود ومن هنا يمكن التّأمّل في إطلاق وجوب الاجتناب في المثال الثّاني لأنّ المسلم منه فيه إنّما هو في ما علم بابتلائه في يومه بمعاملة ربوية وأمّا في ما علم بذلك في شهره ففي الفرق حينئذ بينه وبين مثال الحيض تأمل فتدبّر(قوله) فيرجع فيه أي في مقدار الحيض أمّا عدم جواز الرّجوع فيه إلى الاستصحاب فللعلم بارتفاع الحالة السّابقة فيه وأمّا جواز الرّجوع إلى أصالة الإباحة فلفرض عدم الاعتداد بالعلم الإجمالي في المقام وأنت خبير بأنّه إذا بقي من الشّهر مقدار الحيض كثلاثة أيّام فإذا مضى جزء من هذا المقدار يحصل للمرأة القطع بكونها حائضا إما في هذا الزّمان أو في سابقه فيتعين عليها استصحاب الحيض فلا وجه معه لأصالة الإباحة كما لا يخفى (قوله) إلى أصالة الإباحة والفساد إلخ لا يخفى أنّ حرمة المعاملة تارة تنشأ من ذاتها وأخرى من كون إيقاعها بقصد ترتيب الآثار تشريعا وفسادها ملازم لإحدى الحرمتين لا محالة إذ المقصود من إثبات الفساد بالأصل أنّما هو في صورة قصد ترتيب الآثار وإلاّ فالفساد مع عدم قصده ثابت بالقطع لا بالأصل وحينئذ يشكل الجمع بين الأصلين لمنافاة مؤداهما والقول بأن أصالة الإباحة إنّما تنفي الحرمة الذّاتيّة وأصالة الفساد إنّما تلازم الحرمة التّشريعية غير مفيد بعد ثبوت الحرمة ولو تشريعا بعد الفساد لعدم ترتب أثر على الإباحة الذّاتية من حيث هي كما هو واضح (قوله) ليس دائر مدار الحكم إلخ خلافا لصاحب الحدائق وقد تقدم سابقا شطر من الكلام في ذلك فراجع (قوله) على وجه إلخ يعني بناء على صحة معاملات الصّبي المميّز إذ على القول بفسادها بكون الفساد مستند إلى عدم البلوغ لا إلى كون المعاملة ربوية(قوله) لكن الظّاهر الفرق إلخ بالقول باعتبار الأصول العمليّة مع العلم الإجمالي بخلافها وبعدم اعتبار الأصول اللفظية معه ووجه الفرق أنّ اعتبار الأولى إنّما هو من باب التعبّد الشرعي والفرض أنّ العلم الإجمالي بخلافها إنّما يؤثر في سقوطها مع تنجز التكليف بالواقع لسلامة الأصل في كلّ من المشتبهين عن المعارض بدونه بخلاف الثّانية لأن اعتبارها من باب الظّهور النّوعي المرتفع مع العلم ولو إجمالا بخلافها بل وكذلك لو قلنا باعتبارها من باب التعبد العقلائي لظهور عدم تعبدهم بالظّواهر مع العلم الإجمالي بخلافها وأنت خبير بأنّه يمكن منع تأثير العلم الإجمالي في العمل بالظّواهر أيضا في ما احتمل كون الفرد الخارج من الأفراد الّتي لا يبتلي بها المكلّف كما إذا أمر المولى بإكرام العلماء وثبتت حرمة إكرام عالم مردد بين أحد علماء البلد إجمالا وبين عالم في بلد ناء لا يبتلي به المكلّف عادة إذ لا ريب أن العقلاء لا يعذّرون العبد حينئذ في ترك إكرام علماء البلد لأجل كون العام عنده مخصّصا بمجمل والسّرّ فيه عدم ظهور العام في الشّمول للأفراد التي لا يبتلي بها المكلّف عادة إلاّ على وجه التعليق بالابتلاء وإذا تردّد الخارج بين الأفراد التي يبتلي بها المكلّف فعلا وبين غيرها رجع الشّكّ في تخصيصه بالنّسبة إلى الأفراد التي له ظهور في الشّمول لها فعلا إلى الشّك البدوي الذي يدفع بعموم العام ولعلّه إلى ذلك أشار المصنف رحمهالله بأمره بالتأمّل ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنّ الكلام في سقوط الظّواهر عن الظهور بالعلم الإجمالي بخلافها في المقام وعدمه إنّما هو فرع جواز التمسّك بها في الشبهات الموضوعيّة كما حكي عن المحقق الكركي وإلاّ كما هو الحقّ المحقّق في محلّه فلا وقع للفرق المذكور لوضوح عدم ظهورها في الشّمول للموضوعات المشتبهة ولو بالشك البدوي فضلا عن المشوب بالعلم الإجمالي كما إذا ورد وجوب إكرام العلماء وتردّد الأمر في شخص بين كونه عالما وجاهلا إذ لا ريب أن خطاب الأمر بإكرام العلماء لا يقتضي كونه عالما أو جاهلا بالخصوص إذا لم يعلم بكونه مسبوقا بأحد الوصفين وكذا في ما نحن فيه إذا لم يعلم المكلف بكون الصّادر عنه من مصاديق البيع الرّبوي أو غيره فعموم حلية البيع أو حرمة الرّبا لا يقضي كونه من أحد القبيلين (قوله) السّابع قد عرفت إلخ لا يذهب عليك أن وجه مناسبة ذكر مسألة الخنثى من تنبيهات الشبهة المحصورة هو اشتباه المكلف به مع كون الشبهة ناشئة من اشتباه مصداق المكلف وربّما يقال بعدم كفاية مجرّد ذلك فيها لأن الكلام في الشبهة المحصورة إنما هو في ما اشتبه مصداق الحرام بعد العلم بالحرمة ولا ريب في عدم اشتباه مصداق الحرام في مسألة الخنثى بل نفس الخطاب المتوجّه إليها وإن كان الاشتباه فيه ناشئا من الاشتباه في مصدق المكلف الّذي توجّه
