من أن الشغل اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة(قوله) قلت أصالة الحل إلخ مرجعه إلى دعوى حكومة قاعدة الاشتغال على قاعدة البراءة وقد يقرر الجواب بأنّ العلم بحرمة أحد المشتبهين يوجب خروجه من عمومات البراءة فتكون مخصّصة به بل خروجه منها بحسب الموضوع فيكون من باب التخصّص دون التّخصيص إلاّ أن تردّد الخارج بين الأمرين يوجب إجمال هذه العمومات لصيرورتها حينئذ من باب المخصّص بالمجمل فلا تصير حجّة بالنسبة إلى شيء من المشتبهين فيجب الاجتناب عنهما تحصيلا للبراءة عمّا علمت حرمته إجمالا وفيه أنّ الخارج هو الحرام الواقعي لا أحد المشتبهين بوصف كونه مشتبها وحينئذ إن كان العلم الإجمالي منجزا للتّكليف بالواقع كان وجوب الاحتياط حينئذ لأجل ما قرّره المصنف رحمهالله من حكومة قاعدة الاشتغال على أصالة البراءة لا لإجمال عموماتها وإلاّ لم يترتب أثر للعلم الإجمالي المذكور وكانت أصالة البراءة محكمة في كلّ من المشتبهين نعم قد يقرّر الجواب بوجه آخر وهو أنّه لا يخلو إمّا أن يراد إجراء أصالة الحلّ بالنسبة إلى خصوص كل من المشتبهين وإمّا بالنّسبة إليهما على سبيل البدلية والتخيير وإمّا بالنّسبة إلى أحدهما المعين عند الله غير المعيّن عندنا وإمّا بالنّسبة إلى أحدهما لا يعينه ولا سبيل إلى الأوّل لمنافاته لاعتبار العلم الإجمالي مضافا إلى عدم التزام الخصم به ولا إلى الثّاني لما سيصرح به المصنف رحمهالله بقوله فليس في الرّوايات من البدليّة عين ولا أثر ولا إلى الثالث وهو واضح ولا إلى الرّابع لأن أحدهما ليس فردا آخر مغايرا للمشتبهين لكونه مفهوما منتزعا منهما مضافا إلى أنّ مدعى الخصم إجراؤها بالنّسبة إلى كلّ من المشتبهين حتّى يحكم بالتخيير فيهما من باب التعارض وربّما يظهر من ذيل كلام المصنف رحمهالله كون الوجه في عدم جريان أصالة الحلّ في المقام هو تساقط الأصلين بعد التعارض فيرجع ما ذكره إلى وجهين أحدهما عدم جريان الأصل في شيء من المشتبهين لحكومة قاعدة الاشتغال عليه والآخر كون الوجه فيه التساقط بعد التعارض (قوله) فإن قلت قوله عليهالسلام كل شيء إلخ حاصله أنّ ظاهر قوله عليهالسلام كلّ شيء لك حلال هو إلغاء احتمال الحرمة فيما يحتملها والحلية والبناء على كونه محلّلا في الواقع وهذا في الشبهات البدوية واضح لعدم منافاة البناء على حلية بعضها للبناء على حلية الباقي أيضا لاحتمال حلية الجميع في نفس الأمر فيحكم في الجميع بكونها محلّلا في الواقع بحسب تنزيل الشّارع وأمّا الشبهة المحصورة فالعلم فيها لمّا كان حاصلا بحرمة أحد المشتبهين فالبناء على كون أحدهما حلالا في الواقع يستلزم وجوب البناء على كون الآخر حراما لا محالة وحيث لا ترجيح للحكم بحلية أحدهما بالخصوص يحكم بذلك فيهما على التخيير وتوضيحه أنّه إذا شك في حلية أمور وحرمتها مع تجردها عن العلم الإجمالي فكل واحد منهما متعلق لشك مستقل لفرض حصول الشّبهة في إباحة كل واحد منها بنفسه من دون علم بحرمة أحدهما إجمالا ولا ريب أن انتفاء الشك في أحدها حقيقة كما لا يوجب العلم بحرمة الباقي لاحتمال إباحة الجميع في الواقع كذلك انتفاءه بحسب الشّرع وأمّا إذا كان الشك فيها مشوبا بالعلم الإجمالي فليس هنا إلاّ شك واحد جامع لجميع أطراف الشبهة لفرض حصول العلم إجمالا بحرمة بعضها وإباحة بعض آخر والشكّ إنّما هو في أنّ متعلق إحداهما هذا ومتعلّق الأخرى ذاك أو بالعكس وبعبارة أخرى أنّ الشّكّ هو تساوي احتمالين في مورد وهو في الشبهة البدوية واضح وأمّا في الشّبهة المحصورة فإنه إذا علم إجمالا بكون أحد الإناءين من إناء زيد وإناء عمرو نجسا والآخر ظاهرا فأحد الاحتمالين هنا كون إناء زيد نجسا وإناء عمرو طاهرا والآخر صورة العكس وكما أنّه إذا انتفى احتمال نجاسة إناء زيد حقيقة وحصل القطع بطهارته وجدانا حصل القطع بكون النجس المعلوم إجمالا هو إناء عمرو كذلك إذا ثبت ذلك شرعا على ما عرفت وممّا ذكرناه قد تبين أنّ شمول الرّواية للشبهة البدوية والمشوبة بالعلم الإجمالي على نهج واحد وهو إلغاء احتمال الحرمة في المحتمل لها وللحلية غاية الأمر أن إلغاءه في المشوب بالعلم الإجمالي مستلزم لتعيّن كون الحرام الواقعي هو الطرف الآخر من المشتبهين وفي الشبهة البدوية لحلية المشتبه على ما عرفت فلا يرد حينئذ أن إثبات حلية المشتبه تعيينا في الشبهة البدوية وتخييرا في المشوبة بالعلم الإجمالي بالرّواية المتقدّمة مستلزم لاستعمالها في معنيين وفيه نظر واضح أمّا أولا فإنّه إنّما يتم إن كان مقتضى قوله كلّ شيء لك حلال حلية كل مشتبه في الجملة بإلغاء احتمال الحرمة فيه وليس كذلك لأنّ ظاهره الحكم بحلية خصوص كل مشتبه تعيينا ويلزم على ما تقدّم البناء في الشبهات البدوية على حلية كلّ مشتبه تعيينا وفي المشوبة بالعلم الإجمالي على حلية كل من المشتبهين تخييرا وهو مستلزم لمحذور استعمال اللفظ في معنيين اللهمّ إلاّ أن يحمل على إرادة عموم المجاز بأن يراد بقوله كلّ شيء لك حلال إلغاء احتمال الحرمة في كلّ محتمل الحلية والحرمة فيقال إن لازم هذا المعنى الكلي هو الحكم في الشبهات البدوية بالحلية تعيينا وفي المشوبة بالعلم الإجمالي تخييرا ويدفعه أنّ ظاهر قوله كل شيء لك حلال هو الحكم بالحلية في خصوص كلّ مشتبه تعيينا ولا قرينة على إرادة المعنى الكلي المذكور وأمّا ثانيا فإن قول الشّارع اجتنب عن النجس يقتضي الاجتناب عن كل نجس تعيينا ولا ريب في شموله للمعلوم إجمالا فهو حينئذ إن اقتضى وجوب الاجتناب عنه تعيينا وجب الاحتياط في الشبهة المحصورة وهو خلاف مدعى السّائل وإن اقتضاه تخييرا فهو مستلزم لاستعمال اللفظ في الوجوب التعييني بالنسبة إلى النجاسات المعلومة تفصيلا وفي الوجوب التخييري في الشبهات المحصورة(قوله) في غيرها يعني من الشبهات المجرّدة(قوله) قلت الظاهر من الأخبار إلخ لما كان السّؤال مبنيا على مقدّمتين إحداهما كون مقتضى الأخبار المذكورة هو البناء على كون محتمل الحرمة هو الموضوع المحلّل الواقعي والأخرى كون مقتضى البناء المذكور في أحد المشتبهين هو البناء على كون المشتبه الآخر هو الموضوع المحرّم لأجل ما ذكره من وحدة الشّك في المشوب بالعلم الإجمالي أشار المصنف رحمهالله إلى منع كلتا المقدّمتين وأمّا الأولى فلأنّ مقتضى الأخبار المذكورة هو مجرّد الرّخصة في الارتكاب وعدم الحرمة في الظاهر لا البناء على كون أحد المشتبهين هو الموضوع المحلّل حتّى يستلزم كون الآخر هو الموضوع المحرّم وأمّا الثانية مع تسليم الأولى فإن البناء على كون أحدهما هو الموضوع المحلّل إنّما يستلزم البناء على كون الآخر هو الموضوع المحرم من باب حكم العقل لأجل وحدة الشك والعلم إجمالا يكون أحدهما حلالا في الواقع والآخر حراما كذلك وسيجيء في مبحث الاستصحاب عدم إثبات الأصول اللّوازم العقليّة لمؤدّياتها نظير إثبات أحد الضّدّين بنفي الآخر فلا بد في المقام
