في القسمين الأخيرين إذ الدّليل عليه إنّما هو قبح المخالفة العمليّة والمسلم منها على هذا القول هي المخالفة إمّا بارتكابهما دفعة ولكنّه خارج ممّا نحن فيه كما أسلفناه وإمّا بارتكابهما تدريجا مع البناء عند ارتكاب الأوّل على ارتكاب الثّاني أيضا وغاية ما يلزم من الأخيرين هو حصول العلم بالمخالفة عند ارتكاب الثّاني إمّا به أو بالأوّل مع عدم البناء على المخالفة من أوّل الأمر ولا دليل على قبح هذا النحو من المخالفة ولذا قال المحقق القمي فيما أجاب به عمّا أورده على نفسه بعد اختيار القول بالتخيير وعدم وجوب الموافقة القطعيّة أنّ المدار إذا كان في عدم وجوبها عدم العلم بارتكاب الحرام الواقعي فلم لا تقول بجواز ارتكاب الجميع تدريجيا لعدم العلم في كل مرتبة من الاستعمالات والذي يوجب العلم بارتكاب الحرام إذا ارتكب الجميع دفعة قلت ولا نقول به إذ لا دليل عقلا وشرعا يدلّ على الحرمة والعقاب ولا إجماع على بطلانه والقائل به موجود كما سنشير إليه وثانيا نقول كما أن ارتكاب الحرام الواقعي المتيقّن حرام فتحصيل العلم بارتكاب الحرام أيضا حرام فتحريمه حينئذ من هذه الجهة فارتكاب الفرد الآخر الذي يعلم به بارتكاب الحرام الواقعي مقدّمة لتحصيل اليقين بارتكابه ومقدّمة الحرام حرام ويمكن منع المقدّمتين انتهى وكتب في الحاشية على قوله ويمكن منع المقدمتين يعني حرمة تحصيل اليقين بارتكاب الحرام إذا لم يعلم ارتكاب الحرام بنفس ذلك الفعل بخصوصه وحرمة مقدّمة الحرام انتهى وهو صريح في منع حرمة تحصيل العلم بارتكاب الحرام وهو وإن كان شاملا للقسم الأوّل أيضا إلا أنّه فيه مخالف للعقل وبناء العقلاء كما عرفت (قوله) مع أنّه لو اختصّ الدّليل إلخ هذا دفع لما يدعى من منع وجود المقتضي في المقام إمّا لكون الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة أو لكونها منصرفة إليها مطلقا أو في حيّز الطلب فلا يجب الاجتناب إلا عما علم تحريمه أو نجاسته تفصيلا وبعض هذه الوجوه يظهر من المحقق القمي رحمهالله وفيه منع الصغرى لما تقرّر في محلّه من كون وضع الألفاظ للمعاني الواقعيّة وكذا منع الانصراف مطلقا غاية الأمر أن يكون العلم شرطا لتنجز التكليف وهو حاصل في المقام وقد تقدّم في المقصد الأوّل عدم الفرق في ذلك بين العلم التفصيلي والإجمالي ولعلّ الغفلة عن ذلك أوجب دعوى الانصراف كيف لو تم ما ذكر لم يحسن الاحتياط بل لم يبق له محلّ أصلا وهو كما ترى خلاف ما اتفقت عليه كلمتهم سوى ما حكاه المصنف رحمهالله في المقصد الأوّل عن السّيّد أبي المكارم ابن زهرة ومع التّسليم فلم يظهر ذلك من القائل بكون الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة أو منصرفة إليها في خصوص ما نحن فيه كما أشار إليه المصنف ره (قوله) فلأنّ العقل لا يمنع إلخ لأن المانع عند العقل إمّا قبح التكليف أو العقاب بلا بيان أو قبح التكليف بخطاب مجمل أو بأمر مبهم وما عدا الأخير منتف في المقام لفرض تبين الخطاب وحصول الاشتباه في مصداق موضوعة المبيّن وأمّا الأخير فهو غير مانع بعد إمكان الاحتياط وكون العلم الإجمالي كالتفصيلي وعدم كون وظيفة الشّارع بيان المصاديق الخارجة(قوله) وأمّا الشّرع فلم يرد إلخ حيث كان تأثير المقتضي موقوفا على إحراز عدم المانع أشار هنا بعد منع المنع عقلا إلى عدم المانع شرعا أيضا لأن ما يصلح للمنع شرعا إمّا عموم أدلّة البراءة أو خصوص ما هو الظّاهر منها في الشبهات الموضوعيّة أمّا الأوّل فمثل قوله عليهالسلام النّاس في سعة ما لا يعلمون وقوله عليهالسلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم وحديث الرّفع وغيره وفيه أنّ هذه الأخبار ظاهرة الاختصاص بالشبهات الحكميّة ولعلّه لذا لم يتعرض لها المصنف ره في المقام مع أن مقتضى مفهومها المعتبر بحسب مساعدة المقام هو عدم التّوسعة والوضع مع العلم ولو إجمالا وهو حاصل بالفرض في المقام وأمّا الثّاني فمثل رواية مسعدة بن صدقة كل شيء هو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه ذلك ثوب يكون عليك الحديث ورواية عبد الله بن سنان عن الصّادق عليهالسلام كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه لإطلاقها بالنّسبة إلى كل مشتبه سواء كان مشوبا بالعلم الإجمالي أم لا وظاهر المصنف قدسسره تسليم شمولهما للشّبهات المشوبة بالعلم الإجمالي إلاّ أنّه ادعى كون مقتضاهما وجوب الاجتناب عمّا علمت حرمته إجمالا كما سنوضحه عند شرح ما يتعلق بالعبارة والحقّ في الجواب منع شمولهما لصورة العلم الإجمالي بمعنى منع دلالتهما على إباحة المشتبه بالشبهة المشوبة بالعلم الإجمالي أولا وكون مقتضاهما ما ذكره المصنف رحمهالله على تقدير تسليم الشّمول ثانيا توضيح المقام أنّ الشّبهة تارة تكون في الحكم وأخرى في الموضوع وعلى التقديرين إمّا أن تكون الشّبهة بدويّة وإمّا أن تكون مشوبة بالعلم الإجمالي فهذه أربعة أقسام وظاهر جماعة شمول الخبرين لكلّ منها وظاهر بعض آخر ولعلّه المشهور اختصاصهما بالشبهات الموضوعيّة البدويّة بل ومع شوبها بالعلم الإجمالي إذا لم يكن معتبرا كما في الشّبهة غير المحصورة وقيل باختصاصهما بما عدا الشّبهة الحكميّة البدوية ونقول أمّا رواية مسعدة بن صدقة فعلى رواية هو لك حلال يمكن منع إفادتها سوى قاعدة اليد كما أسلفناه في الشّبهة التحريميّة البدوية وعلى رواية هو حلال يمكن منع إفادتها حلية المشتبه بالشّبهة المشوبة بالعلم الإجمالي لأن لفظ شيء في قوله كلّ شيء هو حلال وإن كان بإطلاقه شاملا للشيء المشتبه بالشّبهة البدوية والمشوبة بالعلم الإجمالي فيفيد إباحة طرفي العلم الإجمالي إلاّ أن لفظ تعلم أيضا في قوله حتّى تعلم أنّه حرام مطلق شامل للعلم الإجمالي والتفصيلي وهو في إفادة الإطلاق أظهر من إطلاق لفظ شيء وأظهريته قرينة لإرادة خصوص المشتبه بالشّبهة البدوية من لفظ شيء كما سيجيء توضيحه عند شرح قوله فلا يدلّ على ما ذكرت حينئذ فيصير محصّل معنى الرّواية أنّ كلّ شيء مشتبه بالشّبهة البدوية فهو محكوم بالحلية في الظّاهر ما لم يعلم حرمته تفصيلا أو إجمالا سواء كانت الشّبهة حكميّة أو موضوعيّة ومع التّسليم نظرا إلى كون كلّ من طرفي العلم الإجمالي مجهول الحرمة بالخصوص وإن علمت حرمة أحدهما إجمالا في الواقع نقول إنّها حينئذ كما تفيد حليّة كلّ من المشتبهين نظرا إلى عدم العلم بحرمة كلّ منهما بالخصوص كذلك تقتضي حرمة الفرد المشتبه الّذي علمت حرمته إجمالا فتفيد حرمة كلّ منهما من باب المقدّمة كما أوضحه المصنف رحمهالله فيما أجاب به عمّا أورده على نفسه وأمّا رواية عبد الله بن سنان فهي غير ظاهرة الشّمول لجميع الأقسام المتقدّمة بل هو غير صحيح لاستلزامه استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد لأنّه على تقدير شمولها للشبهة الحكميّة البدوية يكون المراد بالشيء في قوله كل شيء فيه حلال وحرام هو الشيء المشتبه الحكم وبالحلال والحرام المحتملان لا المتحققان والمعنى حينئذ كل شيء تحتمل حليته وحرمته فهو لك حلال
