بل الاتفاق المحقّق فإنّ الظّاهر من صاحب المدارك في باب الصّلاة الرّجوع عمّا ذكره في أوّل الطّهارة وهو المحكي أيضا عن ظاهر العلاّمة أعلى الله مقامه الثّاني ما ذكره جماعة تبعا للوحيد البهبهاني من حسن الاحتياط الثّابت بالسنة والإجماع والعقل والاعتراض عليه بمنع صدق الاحتياط في المقام بناء على اختصاصه بالتجنب عن محتمل الضّرر مدفوع أوّلا بظهور صدق الاحتياط بناء على ما فسّروه بأنّه الأخذ بالأوثق وثانيا بأن الإقدام على محتمل المنفعة ومأمون المضرّة عنوان لا ريب في حسنه ولا فرق عند العقل بينه وبين الاحتراز عن محتمل الضّرر فلا يتوقف حسنه على صدق الاحتياط عليه وأضعف من هذا الاعتراض باستلزامه للتشريع المحرم وأن ترك السنة أولى من فعل البدعة توضيح الضّعف مع وضوحه أنّ التّشريع هو أن تنسب إلى الشّرع شيئا علم أنّه ليس منه أو لم يعلم كونه منه لا أن تفعل شيئا لاحتمال أن يكون فعله مطلوبا في الشّرع أو تتركه لاحتمال أن يكون تركه كذلك فإنّه أمر مطلوب يشهد به العقل والنّقل مع أنّ التّشريع حرام بالأدلة الأربعة وقد يوجب الكفر نعم يرد على هذا الوجه أنّ الإقدام على الفعل المذكور إنّما يحسّنه العقل إذا كان الداعي عليه احتمال المحبوبيّة وقصد المكلّف إحراز مطلوبات المولى إخلاصا أو رجاء الثّواب طمعا ولا كلام لأحد في ذلك فإنّه ممّا يستقل به العقل ضرورة إنّما الكلام في استحباب نفس الفعل المذكور على حدّ سائر المستحبات حتّى يكون الدّاعي للمكلّف على فعله هو هذا الاستحباب القطعي الّذي ثبت من أدلّة التّسامح فالقائل بالتّسامح يقول إذا ورد رواية ضعيفة في استحباب وضوء الحائض مثلا فلها أن تتوضأ بقصد القربة المتحققة المجزوم بها لا أنّ لها أن تتوضّأ لاحتمال كون الوضوء مقرّبا في حقّها ومطلوبا منها ولا يخفى أنّ نيّة القربة على وجه الجزم تتوقّف على تحقق الأمر والمفروض عدم تحققه وأمّا الأمر العقلي بحسن الاحتياط إنّما يرد على موضوع الاحتياط الذي لا يتحقق إلاّ بعد كون الدّاعي على الإقدام هو احتمال المحبوبيّة لا مجرّد فعل محتمل المحبوبيّة فلا يمكن أن يكون نفس هذا الأمر العقلي القطعي داعيا على الإقدام المذكور ومنه يظهر أنّه لو فرض ورود الأمر الشّرعي على هذا الفعل مطابقا لحكم العقل ومؤكّدا له فلا يعقل أن يصير داعيا إلى الفعل بل الدّاعي هو الاحتمال المذكور وهو الّذي يدعو إلى الفعل لو أغمض الفاعل عن ثبوت حسنه والأمر به واستحقاق الثّواب المنجز عليه عقلا وشرعا وأيضا فإنّ حكم العقل باستحقاق هذا الفاعل الثواب ثابت ولو في صورة فرض عدم التفات الفاعل إلى ورود الأمر الشّرعي به فتبيّن أنّ الأمر الشّرعي الوارد على فعل الاحتياط من حيث هو احتياط ليس داعيا للفاعل إلى الاحتياط ولا منشأ لاستحقاق الثّواب والسرّ فيه أنّ الاحتياط في الحقيقة راجع إلى ضرب من الإطاعة فهي إطاعة احتماليّة فكما أنّ الإطاعة العلميّة المحققة بإتيان الشيء لأنه مأمور به هي بنفسها حسنة موجبة لاستحقاق الثّواب من غير التفات واحتياج إلى قول الشّارع أطعني في أوامري ولو فرض أنّه قال ذلك فالثواب ليس بإزاء هذا الأمر ومن جهته فكذلك الإطاعة الاحتماليّة المحقّقة بإتيان الشّيء لاحتمال كونه مأمورا به هي بنفسها موجبة لاستحقاق الثّواب ولا يحتاج إلى ورود الأمر بها من الشّارع ولو ورد فليس الثّواب لموافقة هذا الأمر نعم لو فرض ورود أمر شرعي لا على وجه الموضوع الذي حسنه العقل وحكم باستحقاق الثّواب عليه وهو الاحتياط من حيث هو احتياط بل على مجرّد ما يحتمل استحبابه مطلقا أو من جهة بلوغه إليه بخبر محتمل الصّدق بحيث يكون إدراك المطلوبات الواقعيّة وإحرازها داعيا للأمر إلى أمره لا للمأمور إلى فعله فهو المثبت لما راموه من التّسامح وهذا المعنى مستفاد من بعض الأخبار الآتية الأول مع احتمال كون مساق جميعها مساق الاحتياط فحاصل الفرق بين قاعدة التّسامح وقاعدة الاحتياط أنّ إدراك المطلوب الواقعي والوصول إليه في الأولى داع للآمر إلى أمره وفي الثّانية داع للمأمور إلى فعله وأيضا فالموجب للثّواب في الأولى هو الأمر القطعي الوارد بالتّسامح بخلاف الثّانية فإن الموجب للثواب هو نفس الاحتياط دون الأمر الوارد به وأيضا ما احتمل الحرمة لا يمكن جريان القاعدة الثّانية فيه لعدم تحقّق عنوان الاحتياط معه بخلاف الأولى وسيأتي ثمرات أخرى للقاعدتين في فروع المسألة إن شاء الله تعالى الثّالث الأخبار المستفيضة الّتي لا يبعد دعوى تواترها معنى منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السّلام قال من بلغه عن النّبي صلىاللهعليهوآله شيء من الثّواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلىاللهعليهوآله لم يقله ومنها حسنة أخرى كالصّحيحة له عن أبي عبد الله عليهالسلام أيضا قال من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن كما بلغه ومنها المروي عن صفوان عن أبي عبد الله عليهالسلام قال من بلغه شيء من الثّواب على شيء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلىاللهعليهوآله لم يفعله ومنها خبر محمّد بن مروان عن أبي عبد الله عليهالسلام قال من بلغه عن النبي صلىاللهعليهوآله شيء من الثواب فعمل ذلك طلب قول النّبي صلىاللهعليهوآله كان له ذلك وإن كان النّبي صلىاللهعليهوآله لم يقله ومنها خبر آخر لمحمّد بن مروان قال سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول من بلغه ثواب من الله على عمل ففعله التماس ذلك الثّواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه ومنها المحكي عن ابن طاوس في الإقبال أنّه روي عن الصّادق عليهالسلام قال من بلغه شيء من الخير فعمل به كان ذلك له وإن لم يكن الأمر كما بلغه ومن طريق العامة ما عن عبد الرّحمن الحلواني أنه رفع إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله صلىاللهعليهوآله من بلغه من الله فضيلة فأخذ بها وعمل بها إيمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك وهذه الأخبار مع صحّة بعضها غنية عن ملاحظة سندها لتعاضدها وتلقيها بالقبول بين الفحول نعم ربّما اعترض عليها من غير جهة السّند بوجوه منها أنّ هذه الأخبار لا تخرج عن أخبار الآحاد فلا تكون حجّة في المسألة والجواب عنه تارة بمنع كونها آحادا بل هي إمّا متواترة أو محفوفة بالقرينة لما عرفت من تحقّق الاتفاق واستفاضة نقله على مضمونها وأخرى بمنع عدم جواز العمل بالآحاد في الأصول العمليّة وإنّما هي ممنوعة العمل في أصول الدّين وقد أجاب عنه بعض مشايخنا المعاصرين قدّس الله أسرارهم بمنع كون المسألة أصولية لأنّ الكلام ليس في حجيّة الخبر الضّعيف
