لأجل متابعة العامّة القائلين بحجيّة الظّنون المطلقة لأنّهم حيث اعتبروا أصالة البراءة من باب الظنّ فسامح من الخاصّة من تبعهم في التّمسّك لإثبات حجيّتها بذلك لا أن مستندهم في الحقيقة هو ذلك وبالجملة أنّ إخراج كلماتهم من ظاهرها بما ذكرناه لما ذكرناه أولى بل هو المتعيّن وأمّا الثّاني فقد تقدم الكلام فيه عند شرح ما يتعلق بالتنبيه السّابق (قوله) وهل الأوامر الشّرعيّة إلخ أمّا العقل فللإرشاد يقينا كما سيصرح به ومرجع الأمر الإرشادي إلى بيان مصلحة المكلّف من دون ملاحظة كون الأمر عاليا تجب إطاعته عقلا أو شرعا أو عادة أو كونه مستعليا كأمر الطّبيب الذي مرجعه إلى بيان مصلحة المكلّف في شرب الدّواء ولذا لا يترتّب على موافقة هذا الأمر ثواب ولا على مخالفته عقاب بخلاف سائر الأوامر لكون جهة المولويّة وصدورها من هذه الجهة ملحوظة فيه وبالجملة أن الأمر الإرشادي هو طلب الفعل لا على الجهة المولويّة بل على جهة إراءة مصلحة المكلف وهو قد يكون إلزاميّا وقد يكون غير إلزاميّ كما يظهر بملاحظة أوامر الأطبّاء فيما قيل من خلو هذا الأمر من الطّلب من رأس ضعيف جدّا وتشمله مادة الأمر وصيغه حقيقة إذا أريد به الإلزام بمعنى كونهما حقيقتين عند استعمالهما في الأمر الإرشادي الإلزامي لما قرّرناه في محلّه من كونهما حقيقتين في مطلق الإلزام نعم حيث يطلقان ينصرفان إلى الأمر المولوي فلا بدّ في حملهما عليه من قرينة معينة كانصرافهما إلى الوجوب التعييني العيني النّفسي عند الإطلاق مع كونهما حقيقتين في كلّ من التخييري والكفائي والغيري أيضا ولذا جعله المصنف ره وجها في مقابل حمل الأمر بالاحتياط على الاستحباب مع كون الأمر في الثاني مجازا على الأقوى فإن قلت إنّه لا وجه للتردّد بينهما لأنّه مع قيام القرينة على عدم إرادة أحد فردي الحقيقة لا بد من حمله على الفرد الآخر لوجوب المحافظة على الحقائق مع عدم القرينة الصّارفة قلت نعم ولكن لا ريب أن المدار في حمل الألفاظ على معانيها الحقيقيّة أو على المجازيّة مع القرينة على الظّهور العرفي وشيوع استعمال اللّفظ في المعنى المجازي ربّما يعارض ظهور اللّفظ في المعنى الحقيقي ومن هنا قد اختلفوا في المجاز المشهور على أقوال واستعمال الأمر في الاستحباب من المجازات الرّاجحة بل قيل بكونه من المجازات المشهورة مع أنّ المقصود في المقام حمل أوامر الاحتياط على الإرشاد المطلق الشّامل للإلزامي منه وغيره كما صرّح به المصنف رحمهالله عند الجواب عن كلّ من أوامر التّوقف والاحتياط ولا ريب في كون الأمر مجازا فيه فحمله عليه حمل له على معنى مرجوح بمرتبتين ولذا تردّد المصنف رحمهالله في حمله عليه مع شهادة سياق جلّ الأخبار به وعلى كلّ تقدير ربّما يقال بكون جميع الأوامر العقليّة للإرشاد وإراءة مصلحة المكلّف في الفعل لما أدركه من الحسن فيه بل ربّما يظهر من سلطان العلماء كون جميع الأوامر الشّرعيّة للإرشاد إلى المصالح والمفاسد الكامنة التي هي منشأ الأحكام الشرعيّة قال أوامر الشّارع على المكلّفين ليس على قياس أوامر الملوك والحكام الّذين غرضهم نفس حصول الفعل ودخوله في الوجود لمصلحة لهم في وجوده حتى إذا فات وامتنع حصوله كان طلبه سفها وعبثا بل أوامر الشّارع من قبيل أوامر الطّبيب للمريض إنّ اللاّئق بحاله كذا إن فعل كذا كان أثره كذا وإن فعل بخلافه كان أثره بخلافه إلى آخر ما ذكره ولازمه كون ثبوت العقاب على مخالفة أوامر الشّارع من جهة الشّرع لا من جهة كونه من لوازم المخالفة وهو ضعيف لا يقال كيف تدعي كون الأوامر العقليّة للإرشاد إذ لو كانت كذلك لزم عدم ترتب عقاب على مخالفتها لأنّ حكم العقل وإن كشف عن حكم الشّرع إلاّ أنّ المنكشف تابع للكاشف فإذا كان الأوّل للإرشاد كان الثّاني أيضا كذلك فلا يترتب على موافقتها ولا على مخالفتها ثواب ولا عقاب لأنّا نقول إنا نمنع التبعيّة من جميع الجهات لأنّ الملازمة بينهما إنّما هي من جهة أنّ العقل إذا أدرك حسن فعل وحكم من جهته بلزوم الإتيان به فالشّرع أيضا لا بد أن يحكم بلزوم الإتيان به لأن الله لا يأمر إلا بالحسن كما في وصيّة عليّ عليهالسلام وأمّا كون حكم الشّارع أيضا على وجه الإرشاد فلا دليل عليه (قوله) واقترانه معطوف على قوله ظاهر الأخبار والضّمير عائد إلى الاجتناب عن الشّبهات وحاصله أنّ الاجتناب عن الشّبهات في أخبار الاحتياط مقترن بالاجتناب عن المحرّمات المعلومة في كون كلّ منهما ورعا كما في رواية فضيل بن عياض المتقدّمة في كلام المصنف رحمهالله ولا ريب في كون الثّاني للإرشاد فكذلك الأوّل بقرينة المقارنة(قوله) ولا يبعد التزام ترتب الثّواب عليه أي على نفس الاحتياط والاجتناب مع قطع النّظر عمّا ورد في الأخبار من الأمر به وسيجيء في حواشي التّنبيه الآتي ما يشكل في ذلك وما يدفعه (قوله) وحكمته أن لا يهون عليه إلخ توضيحه أنّ رجحان الاحتياط تارة يكون لأجل إحراز الواقع ومصلحته به فيكون حينئذ مقدّمة علميّة للمجهولات الواقعيّة ولا ريب في كون الأمر بمثله للإرشاد كما أوضحه المصنف رحمهالله وأخرى يكون لأجل حصول التحرز به عن المحرّمات المعلومة لأنّه مع ارتكاب الشّبهات يكون المكلّف قريبا من المحرّمات المعلومة ومشرفا عليها ويهون عليه ارتكابها لضعف سلطان العقل حينئذ وقوّة جنود الجهل فربّما تغلب عليه فلا يتمالك من نفسه فيقع فيها مقهورا ومغلولا للنفس فيحصل ترك الشّبهات حينئذ حسن ذاتي ومطلوبيّة نفسيّة وإن لم يبلغ مرتبة اللّزوم فيكون تركها مستحبّا ويستحقّ التّارك الممتثل للأمر المتعلّق به للثّواب والجزاء ومن هنا قد حمل المصنف رحمهالله الأخبار الظّاهرة الانطباق للأوّل على الإرشاد والأخبار الظّاهرة الانطباق للثّاني على الاستحباب (قوله) بين أفراد المسألة إلخ لأنّ محلّ الكلام في المقام ما دار الأمر فيه بين الحرمة وغير الوجوب مطلقا سواء كان هذا الغير هو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة أو اثنان منها أو ثلاثة فالأقسام سبعة وما ذكره تمهيد لدفع توهّم عدم رجحان الاحتياط فيما دار الأمر بين الحرمة والاستحباب مثلا لدوران الأمر بين المحذورين لرجحان الترك حينئذ لاحتمال حرمة الفعل ورجحان الفعل لاحتمال استحبابه ووجه الرفع واضح ممّا ذكره (قوله) يلزم من ذلك إلخ أي من عدم الفرق بين أفراد المسألة في حسن الاحتياط بالتّرك (قوله) عدم حسن الاحتياط إلخ بالإتيان بالفعل
