الأقسام أيضا خوفا من الإطالة المخلّة فنقول مستمدا من الله تعالى أنّ الشّكّ المأخوذ في موضوع الأصول إمّا أن يكون متعلّقا بالموضوع أو الحكم وبعبارة أخرى إمّا بالمصداق أو المراد والمراد بالأوّل ما كان منشأ الشّبهة فيه اختلاط أمور خارجة بحيث لو تبدّل الشّكّ فيه بالعلم لا يحتاج في معرفة حكمه إلى بيان الشّارع مثل المائع المردّد بين الخمر والخلّ لأنا لو علمنا بكونه أحدهما علمنا حكمه من الحلّ أو الحرمة وبالجملة أنّ المراد به الشّكّ المتعلق بالموضوعات الصّرفة والمراد بالثّاني ما كان الشّكّ فيه في مراد الشّارع إمّا من جهة الموضوع مثل حرمة الغناء المردد مفهومه بين الصّوت المطرب والصّوت مع الترجيع وإمّا من جهة المحمول كالشّكّ في حرمة شرب التتن وإمّا من الجهتين كالمثال الأوّل إذا فرض الشك فيه في الحكم أيضا وعلى كل من القسمين إمّا أن يكون الشّك مشوبا بالعلم الإجمالي وإمّا أن يكون بدويّا والمراد بالأوّل ما علم فيه سنخ التكليف وحصل الشّكّ في متعلقه كالظهر والجمعة اللتين علم وجوب إحداهما إجمالا والإناءين اللذين علمت حرمة شرب أحدهما كذلك لا ما علم جنس التّكليف الإلزامي فيه وتردد بين نوعيه من الوجوب والحرمة والمراد بالثاني ما حصل الشك فيه في سنخ التكليف الإلزامي وإن علم جنسه كما يظهر بالمقايسة وبضرب هذين القسمين في السّابقين ترتقي الأقسام إلى أربعة أعني الشّبهة الموضوعية المشوبة بالعلم الإجمالي كما في الشبهة المحصورة وكذا البدوية مثل المائع المردد بين الخمر والخلّ والشّبهة الحكميّة المشوبة بالعلم الإجمالي كالواجب المردّد بين الظهر والجمعة وكذا البدويّة مثل شرب التتن المردّد حكمه بين الحرمة والإباحة ثم إنّه مع العلم الإجمالي بالتكليف إمّا أن يدور الأمر بين المتباينين أو بين الأقل والأكثر والمراد بالتّباين أعم من الحقيقي والحكمي والأوّل مع كون الشّبهة في الموضوع مثل الشبهة المحصورة ومع كونها في الحكم مثل الظهر والجمعة على ما عرفت والمراد بالتّباين الحكمي ما دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير والمراد بالتخيير أعمّ من الشرعي والعقلي والأوّل مثل ما لو ثبت من الشّرع وجوب عتق رقبة ودار الأمر فيه بين تخيير الشّارع بين أفرادها وإرادة فرد خاصّ منها كالمؤمنة والثّاني مثل ما لو ثبت شرعا وجوب عتق رقبة ودار الأمر بين إرادة الطّبيعة الّتي لازمها تخير المكلّف عقلا بين أفرادها وبين إرادة فرد خاص منها وهذان المثالان من قبيل الشّكّ في الحكم من جهة الشّكّ في موضوعه مع العلم الإجمالي بالتكليف مع دوران الأمر بين المتباينين حكما وكون التخيير شرعيّا على الأوّل وعقليّا على الثّاني وأمّا ما دار الأمر فيه بين الأقلّ والأكثر فاعلم أنّهما إمّا ارتباطيان أو غيره والثّاني خارج من هذا التقسيم المختصّ بما كان الشّكّ فيه مشوبا بالعلم الإجمالي الذي مرجعه إلى الشكّ في المكلّف به لانحلال العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي وشك بدوي فيدخل في قسم الشّكّ في التّكليف دون المكلّف به والمراد بالارتباطي عدم إجزاء الأقل ولو بقدره على تقدير كون المطلوب في الواقع هو الأكثر وبغير الارتباطي ما كان على عكسه والأوّل مثل الشّكّ في بعض أجزاء الصّلاة وشرائطها والشك في حرمة تصوير أعضاء الحيوان مع العلم بحرمة تمام الصّورة والثّاني مثل دوران الأمر في الفائتة بين الأربع والخمس وفي الدّين بين درهم ودرهمين وفي ولوغ الكلب بين ثلاث غسلات وسبع وفي بعض صور منزوحات البئر بين ثلاثين وأربعين والأوّلان من قبيل الشّبهة الموضوعيّة والأخيران من قبيل الحكمية والجميع من قبيل الشّكّ في التّكليف دون المكلّف به لكون وجوب الأقلّ معلوما تفصيلا ووجوب الأكثر مشكوكا من رأس ولذا أخرجنا هذا القسم من أقسام الشك في المكلّف به ومثله الأقل والأكثر الارتباطيان مع كون الشّبهة تحريمية مثل ما عرفت من مثال حرمة تصوير الصّورة لكون حرمة الأكثر فيه معلومة وحرمة الأقل مشكوكة من رأس ولا فرق فيه بين الأقسام الثلاثة الآتية للشّبهة الحكميّة أعني ما كانت الشبهة فيه ناشئة من فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه وبين الشّبهة الموضوعيّة بخلاف ما لو كانت الشّبهة فيه وجوبية لعدم وجود قدر متيقن حينئذ كما لا يخفى وقد ظهر ممّا ذكرنا أن الباقي من أقسام الشّكّ في المكلّف به أربعة وهي الشّبهة الحكميّة والموضوعيّة مع دوران الأمر فيهما بين المتباينين أو الأقل والأكثر الارتباطيين مع كون الشّبهة فيهما وجوبية وبضمّها إلى قسمي الشك في التّكليف ترتقي الأقسام إلى ستّة ثمّ إنّ صور الشك كثيرة لأنّه تارة يكون ثنائيّا وأخرى ثلاثيّا وثالثة رباعيّا ورابعا خماسيّا لأنّه مع الشّكّ في التكليف أو المكلّف به ربّما يدور الأمر بين حكمين من الأحكام الخمسة وتارة بين ثلاثة منها وهكذا ولكنا اقتصرنا منها على بيان بعض الصّور الثّنائيّة كما ستعرفه تقليلا للأقسام مع كون الأحكام الباقية معلومة ممّا ذكره المصنف رحمهالله من أحكامها ثم إنّه على جميع التقادير إمّا أن يكون الأمر دائرا بين الوجوب وغير الحرمة أو الحرمة وغير الوجوب أو يدور الأمر بينهما وبضرب الثلاثة في الستّة ترتقي الأقسام إلى ثمانية عشر قسما ستّة منها للشّكّ في التكليف والباقي للشكّ في المكلّف به ثمّ إنّ هنا تقسيما آخر مختصّا بأقسام الشبهة الحكمية وهي تسعة من الثمانيّة عشر وهو أنّ الشّبهة في الحكم إمّا أن تكون لأجل فقدان النّص في المسألة كشرب التّتن أو لأجل تعارض النّصين مثل الظهر والجمعة أو لأجل إجماله كقوله تعالى أقم الصّلاة بناء على كون ألفاظ العبارات أسامي للصحيح وبضرب هذه في التّسعة المذكورة تحصل سبعة وعشرون قسما وبضمّ أقسام الشّبهة الموضوعيّة وهي التّسعة الباقية ترتقي الأقسام إلى ستّة وثلاثين قسما والمراد بفقدان النصّ أعمّ من عدم وجود دليل في المسألة أصلا ومن وجود أمارة غير معتبرة كالشّهرة وقول الفقيه ونحوهما (قوله) هذا مبني على اختصاص إلخ يعني حصر موارد الاشتباه في الثلاثة قال المحقق القمي رحمهالله وهذا الإطلاق يعني إطلاق أصالة البراءة بمعنى استصحابها إنّما يناسب بالنّسبة إلى ما شك في تحريمه أو وجوبه لأنّ اشتغال الذّمة لا يكون إلا بالتكليف والتكليف منحصر فيهما انتهى وقال بعض الأفاضل بعد نقله عنه ولعلّه ناظر إلى ما قيل من أن التّكليف مأخوذ من الكلفة ومعناه الإلقاء في المشقّة ولا يصدق على غيرهما وضعفه ظاهر لأنّ ذلك معنى التّكليف لغة وأمّا في الاصطلاح فهو أعمّ من ذلك قطعا لأنّه يتناول الوجوب والحرمة بأنواعهما قولا واحدا و
