ذكره يرجع إلى وجهين أحدهما أنّ كون المناط عند العقل في العلم بحصول الامتثال هو العلم بتفريغ الذمة عما اشتغلت به لا يقضي بكون المدار عند انسداد باب العلم بالواقع وبالطّرق المجعولة على الظنون المظنونة الاعتبار خاصّة لأنّ تفريغ الذمّة عمّا اشتغلت به مع التمكن من العلم إمّا بفعل نفس ما أراده الشّارع في ضمن الأوامر الواقعية وإمّا بفعل ما جعله الشّارع عين الواقع بالتنزيل وهو مؤدّيات الطرق المجعولة فالحكم بفراغ الذّمة بالعمل بمؤدّيات الطّرق المجعولة إنّما هو من جهة أنها عين الواقع بحكم الشّارع وتنزيلها منزلته لا أنها شيء آخر في قبال الواقع وموافقتها موجبة للفراغ فإذا انسد باب العلم بالواقع وبالطريق المجعول فالاكتفاء بالظنّ بالواقع أولى من الظن بالطّريق المجعول لما عرفت من كون العمل بمؤدّيات الطّرق المجعولة لأجل كونها بمنزلة الواقع ويؤيّده بل يدلّ عليه أنّه لا ريب أنّ المرتبة العليا في نظر العقلاء في امتثال أوامر الموالي هو امتثال التّكليف النّفس الأمري وهو الإتيان بالمأمور به الواقعي من حيث إن المولى أمره به لا الإتيان بالفعل لخوف العقاب وتحصيل فراغ الذّمة فالواجب على المكلّف أوّلا وبالذات مع التمكن من تحصيل نفس الأمر هو الإتيان بما أمر الشّارع به من حيث أنّه أمره به ولذا قد حكم المشهور كما قيل ببطلان العبادة الواقعة لخوف النّار ومع تسليم صحّتها فهي من أدنى مراتب الامتثال فجعل الواجب أولا وبالذات هو تفريغ الذّمة عن التكليف النفس الأمري مع إمكان تحصيل الواقع كما ترى وحينئذ فمع فرض الانسداد يكون الواجب على المكلف ثانيا وبالعرض هو تحصيل الواقع ظنّا لا تفريغ الذّمة ظنا مطلقا سواء حصل الظن بالواقع أم لا على ما حقّق المستدل به المقام ومع تسليم صحة الامتثال بالإتيان بالفعل بداعي تحصيل فراغ الذّمة وخوف النار يكون ذلك من أدنى مراتب الامتثال على ما عرفت ثم إنّ المصنف رحمهالله قد أوضح كون مؤدّى الطّريق عين الواقع بتنزيل الشّارع وكون العلم به بمنزلة العلم بالواقع سواء كان الطريق مجعولا على وجه يشمل حال الانفتاح أو كان مجعولا في حال الانسداد خاصّة بأن كان نصب الطّريق مرتبا على تعذّر تحصيل الواقع على وجه اليقين ورتب على ذلك الإيراد الثّاني كما ستعرفه وثانيهما أنّ ما ذكره من الفرق بين الظنّ بالواقع والظن بالطّريق بعدم استلزام الأوّل للظنّ بالفراغ بخلاف الثّاني ضعيف جدّا لأنّك بعد ما عرفت من كون مؤدّى الطّريق بمنزلة الواقع والعلم به بمنزلة العلم به فلو كان الظنّ بالطّريق مستلزما للظنّ بالفراغ فالظنّ بالواقع أولى بذلك وبالجملة أنّه لا فرق بينهما من هذه الجهة لأنّه إن أراد من حصول الظنّ بالفراغ بالعمل بما ظنّ اعتباره من الأمارات الفراغ الثّاني الواقعي بأن كانت هذه الأمارة بحيث لو علمنا باعتبارها لحصل العلم بالفراغ الواقعي بالعمل بها ففيه أنّ الظنّ بالواقع أيضا كذلك لأنّه لو انكشف الواقع وعلم إصابة ظننا له لحصل اليقين بالفراغ أيضا وإن أراد الفراغ الفعلي بأن حصل الظنّ بالفراغ فعلا بالعمل بمؤدّى الأمارة الّتي ظن اعتبارها ففيه أنّ الظنّ باعتبار الأمارة لا يخلو إمّا أن يكون حاصلا من أمارة معلومة الاعتبار أو معلومة عدم الاعتبار كالقياس أو مظنونة الاعتبار أو مشكوكة الاعتبار ولا ريب في حصول العلم بالفراغ على الأوّل والعلم بعدمه على الثّاني والظنّ بالفراغ على الثّالث والشّكّ فيه على الرّابع ونقول حينئذ إنّ الظنّ بالواقع أيضا كذلك لأنّه مع حصول الظنّ به من أمارة معلومة الاعتبار يحصل اليقين بالفراغ ومن أمارة معلوم عدم اعتبارها يحصل اليقين بعدمه ومن أمارة مظنونة الاعتبار يحصل الظن بالفراغ ومن أمارة مشكوكة الاعتبار يحصل الشّكّ فيه وبالجملة أنّه لا فرق في حصول الظنّ بالفراغ بين تعلق الظنّ بالواقع وتعلقه باعتبار أمارة خاصّة لما عرفت من كون العمل بكل من الواقع المظنون ومؤدّى الأمارة المظنونة الاعتبار موجبا للظنّ بالفراغ وكأنّ المستدلّ قد زعم أن نفس سلوك الطّريق المجعول في عرض سلوك الطّريق العقلي غير المجعول وهو العلم بالواقع الّذي هو سبب تامّ للعلم بالفراغ فيكون نفس سلوك الطّريق الطريق الشّرعي أيضا كذلك وبعد انسداد باب العلم بالواقع والطّريق لا معنى لتعلّق الظنّ بالعلم وأمّا تعلقه بالواقع فهو لا يستلزم الظن بالفراغ لفرض عدم كون محض سلوك الواقع علّة تامّة للفراغ حتى يستلزم الظنّ به للظن به بخلاف الظن بالطّريق المجعول لفرض كونه ظنّا بالعلّة التّامّة للفراغ ولكنّه فاسد جدّا إذ لا ريب أنّ نفس سلوك الطّريق المجعول من دون علم به لا يترتب عليه تحقّق الامتثال أصلا حتّى يكون في عرض العلم بالواقع نعم يترتب عليه سقوط الأمر في التوصّليات كما يترتّب ذلك على سلوك نفس الواقع من دون علم به حين سلوكه فمؤدّى الطّريق في عرض الواقع والعلم به في عرض العلم بالواقع والامتثال إنّما يترتب على العلمين والظنّ أيضا إنّما يقوم مقامهما عند تعذرهما دون المعلومين هذا حاصل ما أورده المصنف رحمهالله في المقام وأمّا توضيح بعض ما يتعلّق بعباراته فستقف عليه إن شاء الله تعالى (قوله) بالطّرق المقرّرة إلخ الجار ليس متعلقا بالعمل بل هو طرف مستقرّ صفة للأوامر الظّاهريّة أي الثّابتة بالطّرق المقرّرة(قوله) فهو أيضا كذلك إلخ أي مثل الواقع الجعلي الواقع في عرض الواقع فكما أنّ امتثال الواقع الحقيقي والجعلي هناك لا يحصل إلاّ بالعلم بأدائهما كذلك الأمر في الواقع الجعلي الواقع في طول الواقع الحقيقي فيترتب عليه أيضا ما كان مرتبا على الأوّل من قيام الظنّ بالواقع مقام العلم به (قوله) في مقابل سلوك الطريق العقلي فيكون سلوك كلّ منهما سببا تامّا للعلم بالفراغ (قوله) فيكون الظنّ بالسّلوك إلخ لكون الظنّ بسلوك الطّريق ظنّا بحصول السّبب التّام للبراءة(قوله) لأن نفس أداء الواقع إلخ من دون علم بأدائه (قوله) ليس سببا تامّا لأنّ السّبب التام هو العلم بأداء الواقع (قوله) مع ما علمت إلخ لا يقال إن الوجه الثّاني ليس مبنيّا على جعل الطّريق من قبل الشّارع إذ يكفيه ثبوت المعنى الأعمّ من الجعل والإمضاء إذ بعد كون مبنى الاستدلال على كون مناط حكم العقل في الامتثال حصول الظنّ بالبراءة فللمستدلّ أن يقول إنّ الظنّ بها إنّما يحصل بالعمل بالطّريق الّذي ظنّ كونه مجعولا أو ممضى عند الشّارع لا بمجرّد الظن بالواقع لأنا نقول قد أوضحنا عند شرح ما أورده على الوجه الأوّل أنّ مقتضى كون امتثال الأحكام الشّرعيّة
