من دون أن يرجع ذلك إلى اختياره إذ هو كان عازما على فعل ما يعتقد مصادفته للواقع فعدم المصادفة قضية اتّفاقية خارجة من حيّز الاختيار فقولنا بعدم العقاب بإزاء هذا الفعل لأجل عدم مصادفته للواقع لا يستلزم قبحا والقبح أنما هو في العقاب على غير الاختياري وإذا عرفت ذلك فنقول في توضيح عبارة المصنف رحمهالله إنّ قوله وقولك بأنّ التّفاوت إلى قوله ممنوع إمّا هو تسليم لحسن إناطة التفاوت بالاستحقاق وعدمه بأمر غير اختياري ولكن ليس مقصوده تسليم ذلك مطلقا لبطلانه بالضّرورة بل مقصوده تسليمه في خصوص المقام ومضاهيه فإنّ المصادفة وعدمها وإن كانتا خارجتين من الاختيار إلا أن الأولى راجعة بالأخرة إلى الاختيار فلا غرو في إناطة الاستحقاق بمثل هذا الأمر الاختياري ومضاهيه وحينئذ فقوله فإنّ العقاب لأمر لا يرجع إلخ تعليل لتسليم حسن الإناطة المذكورة بتقريب أن ما توهمه الخصم من أنّ التّفاوت بالاستحقاق وعدمه لا يحسن أن يناط بأمر غير اختياري أنّما نشأ من منعنا من استحقاق غير المصادف فإنّ الخصم أيضا يسلّم استحقاق المصادف حيث يدّعى استحقاق كليهما فوجه المنع حينئذ هو عدم المانع من حسن الإناطة المذكورة إذ ما يصلح للمنع أنّما هو ما توهمه الخصم من أنّ التزام عدم استحقاق غير المصادف لأجل عدم مصادفته غير الاختياري يستلزم كون استحقاق المصادف أيضا لأجل مصادفته غير الاختياريّة فيلزم إناطة الاستحقاق وعدمه بأمر غير اختياري ولكنّه لا يصلح للمنع إذ الخصم يسلم استحقاق المصادف والإشكال أنّما هو في عدم استحقاق غير المصادف ولا إشكال فيه أيضا إذ لا مانع من عدم الاستحقاق لأجل أمر لا يرجع إلى الاختيار فإنّ المانع أنّما هو استحقاقه لأمر لا يرجع إلى الاختيار لا عدم استحقاقه لأمر لا يرجع إلى الاختيار وحيث كان استحقاق المصادف مسلما كما عرفت فلم يشر المصنف إلى وجه حسن إناطة استحقاقه بالمصادفة غير الاختياريّة في مقام تسليم حسن إناطة التفاوت بالاستحقاق وعدمه بأمر غير اختياري واكتفي عنه بقوله أولا لأنه عصى اختيارا والوجه فيه ما قدّمناه من أنّ المصادفة وإن كانت غير اختيارية إلاّ أنّها راجعة بالأخرة إلى الاختيار فإن قلت إنّ المصنف رحمهالله قد علل المنع بأن القبيح هو العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار فإن أراد من العقاب استحقاقه كما بينت توضيح كلامه عليه فلا يصحّ وصفه حينئذ بالقبح وعدمه فإنّ الحسن والقبح من عوارض الأفعال الاختياريّة للمكلّفين والاستحقاق وعدمه من العوارض العقليّة القائمة بنفس المكلّفين وإن أراد منه فعليّة العقاب كما هو ظاهر ما يتراءى من كلامه ففيه مع خروجه من محلّ الكلام إذ الكلام في الاستحقاق وعدمه لا في فعلية العقاب وعدمها أنّ قوله إلا أنّ عدم العقاب إلخ لا يدفع دليل الخصم إذ عدم معلومية قبح عدم العقاب فعلا لا يستلزم عدم الاستحقاق فعلا إذ عدم العقاب أعمّ من عدم الاستحقاق وليس لازما مساويا له قلت إن عدم قبح العقاب الفعلي وإن لم يكن لازما مساويا عقليّا لعدم الاستحقاق إلاّ أنّه لازم غالبي له غاية الأمر أن تكون مسامحة في العبارة ولا بأس بها بعد وضوح المقصود وإمّا هو منع من لزوم إناطة التّفاوت بالاستحقاق وعدمه بأمر غير اختياري بتقريب ما تقدّم من كون المصادفة راجعة بالأخرة إلى الاختيار بخلاف عدم المصادفة والتقريب في التّعليل من حيث عدم تعرّض المصنف رحمهالله لكون الاستحقاق للمصادفة غير الاختياريّة لرجوعها بالأخرة إلى الاختيار ما تقدّم من كون استحقاق المصادف مسلما فيما بينهم فاكتفي بالتّعرض لعدم معلوميّة استحقاق غير المصادف لعدم معلوميّة قبح عدم العقاب لأمر غير اختياري هذا ولكن الأظهر بحسب العبارة هو الوجه الأوّل ثمّ إنّ ظاهر قول المصنف في مقام تعليل استحقاق المصادف لأنّه عصى اختيارا وكذا قوله في وجه منع قول الخصم إلا أن عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم هو كون استحقاق المصادف لوجود المقتضي وهو عصيانه اختيارا وكون عدم استحقاق غير المصادف لوجود المانع وهو عدم المصادفة غير الرّاجع إلى الاختيار وأنت خبير بأنّ عدم استحقاق غير المصادف لعدم وجود المقتضي لعدم إتيانه بما هو منهي عنه في الواقع فإنّ المقتضي للعصيان الّذي هو علّة لاستحقاق العقاب هو الإتيان بالمنهيّ عنه في اعتقاد الفاعل مع المصادفة فانتفاء كلّ من القيدين موجب لانتفاء العلّة التّامّة للاستحقاق لا مانع من الاستحقاق الذي هو فرع وجود المقتضي ثمّ إنّ الظّاهر من المصنف رحمهالله نوع توقف في المسألة حيث ادعى عدم معلوميّة قبح عدم عقاب غير المصادف لا معلوميّة عدم قبح عقابه كما لا يخفى (قوله) كما يشهد به الأخبار إلخ يعني بما ذكره من كون عدم المصادفة مانعا من استحقاق العقاب إذ المستفاد من الأخبار المزبورة أنّ كثرة العامل بسنة أحد الشّخصين المفروضين وقلّة العامل بسنّة الآخر مؤثرتين في كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم مع وضوح خروج كثرة العامل بما سناه وقلّته من حيّز اختيارهما فيظهر من هذه الأخبار أنّ الأمور غير الاختياريّة قد تكون دخيلة في استحقاق كثرة الثّواب والعقاب وقلّتهما كمدخليّتها فيما نحن فيه في أصل الاستحقاق وعدمه لأنّ ما يصلح مؤثّرا في الكثرة والقلّة هو يصلح مؤثرا في أصل الاستحقاق وعدمه بل يمكن إرجاع ذلك أيضا إلى أصل الاستحقاق باعتبار استحقاق القدر الزّائد وعدمه والوجه فيه أيضا ما تقدم في الحاشية السّابقة لرجوع عمل العامل أيضا إلى الفعل الاختياري لصاحب السّنة وإنما جعل هذه الأخبار شاهدة لا دليلا إما لأنّ الكتاب والسّنة لا يصلحان دليلين في العقليّات فإنّه لو قطع النّظر عمّا أورده على دليل الخصم وسلّم عدم حسن إناطة التّفاوت في المصادف وغيره بالاستحقاق وعدمه بأمر غير اختياري لمخالفتها لقواعد العدل
