بكون العباد مجبورين في أفعالهم حيث زعموا أن كل فعل لا بدّ أن يكون معلوما لعلة تامّة ولو كانت هي الإرادة فإذا وجدت ترتب عليها وجود معلولها قهرا وإذا فقدت ترتب على فقدها فقد معلولها كذلك فأجاب العدلية عن ذلك بأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار مريدين بذلك منع خروج الفعل أو التّرك بمجرّد إيجاد علّة وجوده أو عدمه من كونه اختياريّا لفرض كون المكلّف قبل إيجاد علّة الوجود أو التّرك مختارا في إيجاد علة أحدهما وبهذا الاعتبار يتصف الفعل بعد إيجاد علّة وجوده بالاختيار والمعنى المطابقي للقاعدة أنّ الفعل الاختياري لا يخرج من وصف كونه اختياريّا بعد إيجاد علّة الوجود أو الامتناع إذ لو لم يكن الفاعل مختارا في فعله لم يقدر على جعله واجبا أو ممتنعا فقدرته عليه تكشف عن كونه مختارا في فعله ولذا قد زاد فيها بعضهم قوله بل يؤكّده وبالجملة لا دخل للقاعدة في جواز التّكليف بالفعل بعد إيجاد علة امتناعه حتّى يقال بجوازه أيضا فيما نحن فيه والجواب عن الثّاني بالمنع من اختصاص ارتفاع التكليف بسبب العسر بالتكاليف الابتدائيّة الّتي لا يكون مدخل فيها للمكلفين أصلا نعم يمكن أن يقال أنّ أدلّة نفي العسر لا تشمل ما لو ألزم المكلّف التّكليف على نفسه وأمضاه الشّارع كما في مثال النّذر لكونه كالعقود من قبيل الإمضاء دون الإنشاء وأمّا عدم شمولها لمطلق ما كان ناشئا من اختيار المكلّف فلا وتشهد بما ذكرناه فتوى جماعة بجواز التّيمّم لمن أجنب عمدا وهو يعلم بتعسر الغسل عليه إما لتعسر تحصيل الماء أو لبرد أو لغيرهما وحكم الشّهيد الثّاني في محكي المسالك بأنّ الغاصب بأمور يرد المغصوب إلى مالكه ما لم يؤدّ إلى العسر الذي ينتقل من الوضوء والغسل إلى التّيمّم من كون استعمال الماء مستلزما لخشونة جلده مثلا مع كون المكلّف هو السّبب في توجّه التكليف في المثالين نعم كون مطلق العسر في باب الغصب سببا لسقوط الأمر بالرّدّ لا يخلو من تأمّل سيّما مع ما ورد من أنّ الغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال بل تعدّى بعضهم حتّى حكم بوجوب الرّد مطلقا ولو كان فيه تلف مال كثير وضرر بدنيّ وتوضيح المقام أنّ التكليف بالعسير يتصور على وجوه أحدها أن يصدر التكليف به من قبل الله سبحانه ابتداء بأن يكلف المريض الّذي يشق عليه القيام بالصّلاة قائما أو يأمر الصّحيح بصوم الدّهر وثانيها أن يتسبّب بعض من يندرج في النّوع من آحاد المكلّفين لتكليف جميعهم بتكليف عسير وما نحن فيه من هذا القبيل لكون تكليفنا بالاحتياط في زمان غيبة الإمام عليهالسلام مسبّبا عن ظلم الأوّلين حيث تسبّبوا بظلمهم لاختفائه عليهالسلام عنّا وثالثها أن يتسبّب المكلّف بنفسه لتوجّه تكليف عسير إليه كما عرفت في مثال تعمد الجنابة ورابعها أن يلزم المكلّف تكليفا عسيرا على نفسه ثم يمضيه الشّارع كما في مثال نذر الحجّ ماشيا وصوم الدّهر إذ لم يصدر عن الشّارع هنا إلاّ إمضاء ما ألزمه المكلّف على نفسه وعموم أدلّة نفي العسر محكم في هذه الصّور ما عدا الأخيرة منها كما يشهد به ما عرفت من فتوى جماعة من الفقهاء وتخصيصها بالصّورة الأولى لا شاهد له أصلا لعموم أدلّته كما لا يخفى بل منع شمولها للصّورة الأخيرة بدعوى انصرافها إلى غيرها لا يخلو من تأمّل إذ لا ريب أنّ قوله سبحانه (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ونحوه عام شامل للجميع ولا معنى لدعوى الانصراف في العمومات لاختصاصها بالمطلقات كما هو واضح ولعلّ هذا هو وجه تأمّل المصنف رحمهالله أيضا فيه (قوله) الوجوب الكفائي كما في مسألة الاجتهاد(قوله) والعيني كما في المقام (تنبيه) اعلم أنّ هنا وجوها أخر سوى ما نقله المصنف رحمهالله أوردوها على إبطال وجوب الاحتياط بقاعدة العسر تركها المصنف رحمهالله إمّا لخوف الإطالة أو لوضوح الجواب عنها وقد أشار المصنف رحمهالله أيضا فيما تقدّم من كلامه إلى أن ما أورده في المقام بعض ممّا أوردوه ونحن نوردها مع الجواب عنها على طريق السّؤال والجواب فنقول فإن قلت إنّ الاحتياط إذا كان مستلزما لاختلال النّظم كيف صنع الأخباريّون حيث أخذوه مسلكا في إتمام الفقه ولم يختل أمرهم وهو يكشف عن عدم استلزامه لذلك قلت فرق واضح بيننا وبين الأخباريين لأنّهم حيث زعموا انفتاح باب العلم فلم يعملوا بالاحتياط إلاّ في قليل من المسائل لقلّة المشتبهات عندهم ونحن حيث فرضنا الانسداد في أغلب المسائل فلا ريب في لزوم محذور الاختلال من العمل بالاحتياط فيها فإن قلت إنه لا ريب في حسن الاحتياط ولا خلاف لأحد فيه فلو فرض كونه موجبا لاختلال النّظم لزم على المجتهدين أن لا يقولوا باستحبابه لقبح الأمر ولو استحبابا بما يوجب الاختلال فلا بدّ إمّا من نفي حسنه ولا يقول به أحد وإمّا من نفي استلزام الاحتياط الكلّي للاختلال قلت إنّ حسن الاحتياط أنّما هو مع عدم استلزامه للاختلال أو العسر المنفي شرعا ومع استلزام أحدهما فهو حسن بالذات وقبيح بالعرض سواء كان قبحه من جهة العقل كما في الأوّل أو الشّرع كما في الثّاني فإن قلت إنّ الأمر بما يستلزم الاختلال لو كان قبيحا عقلا لم يرد به الأمر شرعا وقد ورد لورود الأمر بالمستحبّات المستغرق كثير منها للأوقات كاستحباب ركعتين في كلّ زمان يسعهما وتلاوة القرآن وقراءة الأدعيّة المأثورة وزيارة الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين وتشييع الجنائز وعيادة المرضى ونحو ذلك ممّا لا يخفى إذ لا ريب أنّ الاشتغال بهذه المستحبّات بل ببعضها مستغرق للأوقات ومخلّ لأمر المعاش مع أنّ الأمر بهذه المستحبّات مستلزم للأمر بالضّدين في آن واحد وهو محال لاستحالة الإتيان بالصّلاة في حال الاشتغال بالتّلاوة أو السّعي في قضاء حوائج المؤمنين مع فرض مطلوبية كل منها في آن مطلوبية الآخر قلت إنّ الأمر بما يوجب اختلال النّظم قبيح عقلا فلا بدّ حينئذ من التّصرف في أدلّة المستحبّات سيّما مع ملاحظة ما عرفت من استلزامه الأمر بالمحال وحينئذ نقول إنّ أدلّة المستحبّات على أقسام منها ما يدلّ على حسن الفعل من حيث هو من دون أمر به أصلا مثل قوله عليهالسلام الصّلاة خير موضوع وقوله عليهالسلام الصّوم جنّة من النّار وحسن الفعل من حيث هو غير ملازم للأمر به فعلا كما ذكره بعضهم في الجواب عن استدلال المجوزين لاجتماع الأمر والنّهي بالعبادات المكروهة التي لا بدل لها
