هذا أنّما يتم لو انحصر دليل نفي العسر في عمومات الكتاب والسّنة وهو خلاف ما تقدم من المصنف رحمهالله من الاستدلال عليه بالأدلّة الثّلاثة مطلقا وبالأربعة في المقام (قوله) كما في الظنّ الحاصل إلخ الظاهر أنّ مراده أن كلّ فرد من الأفراد في مورد الغلبة إذا فرض كونه موردا للشّك فالظنّ يلحقه بالأعمّ الأغلب مع العلم الإجمالي بوجود الفرد النّادر وفيه نظر وتوضيحه أنا قد نعلم تفصيلا بانحصار أفراد الحبشي في مائة ونعلم بحكم الاستقراء بكون ثمان وتسعين منها أسود ونعلم بكون فرد معين منها أبيض ونجد فردا آخر نشك لمانع خارج من العمى أو الظّلمة أو نحوهما في كونه أسود حتّى تكون الأفراد الغالبة تسعا وتسعين أو هو أبيض ليكون النّادر فردين وحينئذ فحصول الظنّ بكونه أسود بحكم الغلبة لا يثبت جواز حصول الظنون التّفصيلية على خلاف العلم الإجمالي فيما نحن فيه لفرض عدم حصول العلم الإجمالي على خلاف الظنّ التفصيلي في المثال ولا مجال في هذا الفرض لفرض سائر الأفراد موردا للشّك وقد يحصل العلم إجمالا أو تفصيلا بكون تسع وتسعين من المائة أسود وواحد منها أبيض ونجد فردا منها نشك لمانع خارج كما عرفت في كونه هو الفرد النّادر أو هو من الأفراد الغالبة وحينئذ يحصل الظن بكونه من الأفراد الغالبة بحكم الغلبة وفي هذا الفرض يصحّ أن يقال إن كلّ فرد من الأفراد إذا فرض كونه موردا للشكّ يحصل الظنّ بكونه من الأفراد الغالبة بحكم الغلبة لكن يرد عليه وجود الفارق بينما نحن فيه وبين المثال لأن الفرض فيما نحن فيه حصول الظنّ تفصيلا بوجود واجبات واقعيّة مع العلم إجمالا بعدم تكليف عسير في الواقع والفرض في المثال حصول الظن بكون هذا الفرد أسود مع العلم إجمالا بأن واحدا من المائة أبيض ولا دخل لذلك فيما نحن فيه لأنّ الظنّ بأنّ هذا الفرد من الأفراد السود المعلومة إجمالا أو تفصيلا وهي تسع وتسعون لا ينافي العلم كذلك بأنّ واحدا من المائة أبيض وإن جاز حصول هذا الظنّ في أيّ فرد فرض كونه موردا للشّكّ لاختلاف متعلقهما بخلاف ما نحن فيه لأنّ الظنّ بأن هذا وهذا وذاك واجبات واقعيّة مع فرض استلزامها للعسر لا يجتمع مع العلم بأنّه لا تكليف عسير في الواقع (قوله) لكن العمل بتلك الظنون إلخ حاصله بيان الفرق بين ما نحن فيه وبين مورد النقض وذلك أنّ العمل بالاحتياط فيما نحن فيه مستلزم للعسر البالغ حدّ اختلال النظم والعقل مستقل بقبحه فتكون عمومات نفي العسر نصا فيه غير قابلة للتخصيص بخلاف الظنون الموافقة للاحتياط المستلزمة للعسر لعدم بلوغه حدّ الاختلال كما ستعرفه فالالتزام بالثاني لأجل الدّليل وإخراجه من تحت عموم نفي العسر لا يستلزم الالتزام بالأوّل واستثنائه من العموم لما عرفت من نصوصيّته بالنّسبة إليه وعدم قابليته لإخراجه منه فليس في الالتزام بالثّاني كرّ إلى ما فرّ منه كما توهمه المورد بتقريب أنّ العمل بالظنّ أنّما كان لأجل الفرار من لزوم العسر من الاحتياط الكلّي فإذا استلزم العمل بالظنّ للعسر لزم الوقوع في محذور ما فرّ منه ووجه عدم اللزوم واضح ممّا عرفت وأمّا عدم استلزام اجتماع الظنّون الموافقة للاحتياط للعسر البالغ حدّ الاختلال اللاّزم على تقدير طرح الظّنون والعمل بالاحتياط أنّما كان لأجل مراعاة الاحتمالات الموهومة والمشكوكة والظنّون المطابقة للوجوب وهذا يستلزم الاختلال لا محالة بخلاف الظّنون المطابقة للاحتياط إذ مع العمل بها خاصّة لا بد من إلغاء الاحتمال الموهوم أو المشكوك المطابق للاحتياط والعمل فيه بأصالة البراءة وهذا يدفع حدّ الاختلال إذ غاية ما يلزم من العمل بها حينئذ هو العسر غير البالغ حدّ الاختلال وأنت خبير بأنّ المورد لو أورد النقض بما لو كان جميع ظنونه موافقا للاحتياط لم يرد عليه هذا الإيراد لقلّة وجود الشّك في المسألة فإذا كان جميع أوهامه موافقا للبراءة يلزم الاختلال من العمل بظنونه لا محالة نعم يرد عليه ما أورده أوّلا وثانيا كما هو واضح (قوله) ومنها أنّه يقع التعارض إلخ توضيح الإيراد أنّ مقتضى حرمة العمل بالظنّ هو وجوب الاحتياط الكلي ومقتضى أدلة نفي العسر عدم وجوب الاحتياط الكلي وجواز العمل بالظن فالمعارضة بينهما حاصلة والترجيح للأولى للكثرة حتّى إنّ بعضهم على ما سمعت مذاكرة من بعض مشايخنا قد عمل رسالة وجمع فيها من الكتاب مائتي آية ومن السّنة خمسمائة رواية دالّة على حرمة العمل بالظنّ ومع تسليم التّساوي والتساقط يرجع إلى أصل عملي وهو في المقام قاعدة الاحتياط لوجود العلم الإجمالي بوجود الأحكام الوجوبيّة والتّحريميّة في سلسلة الموهومات والمشكوكات أيضا فيجب العمل بما يرتفع معه العلم الإجمالي والجواب عنه من وجوه أحدها أنّه قد تقدم عند تأسيس الأصل في العمل بالظنّ أن مقتضى أدلّة حرمة العمل به ليس إثبات حرمة ذاتيّة للعمل به كحرمة أكل الميتة وشرب الخمر بل مقتضاها إمّا إثبات حرمة تشريعية للتعبد والتّدين به وجعله حجّة شرعيّة أو إثبات الحرمة من جهة احتمال مخالفته للواقع وإذا فرض كون العمل به لا من باب التعبد والتّدين بل من باب الاحتياط الجزئي وإحراز الواقع في الجملة كما سيجيء فلا تشمله أدلة حرمة العمل به من الجهة الأولى حتّى يصح فرض المعارضة المذكورة من تلك الجهة لأن القائلين بمطلق الظنّ وإن زعموا كونه حجّة شرعيّة إلا أنّه سيجيء أنّ غاية ما تثبته مقدّمات دليل الانسداد هو اعتباره من باب الاحتياط الجزئي دون الحجيّة الشرعية ولذا قد جعل المصنف رحمهالله في مقام دفع المعارضة اعتبار الظنّ بدليل الانسداد لا من باب التعبّد والتّدين كالمسلم المفروغ عنه وحينئذ لا يبقى مانع من العمل به إلا ما تخيله الخصم من لزوم الاحتياط الكلّي بالإتيان بجميع المحتملات حتى الموهومات والمشكوكات أو ما عرفت من كون مقتضى الأدلة حرمة العمل به من حيث احتمال مخالفته للواقع والمصنف رحمهالله قد جمع بينهما بأنّ المانع من العمل بالظن إذا لم يكن على وجه التّشريع ليس إلاّ قاعدة الاحتياط واقتصر في دفعه بكون تلك القاعدة ساقطة بقاعدة نفي العسر وكيف كان فالأوّل تدفعه أدلّة نفي العسر والحرج والثّاني مردود بأن الظنّ إن كان نافيا للتكليف كان موافقا لأصالة البراءة فلا تدلّ الأدلة على حرمة العمل به لأنّ المراد بالواقع المحتمل مخالفة الظنّ له أعمّ من الواقع الأولي والثانوي الثابت بالأدلة المعتبرة ولذا كانت الظنون الموافقة للأصول خارجة من محل النّزاع وإن كان مثبتا للتكليف
