لا؟ وقد عنون صاحب الفصول رحمهالله هذه المسألة ، وصرّح بعدم جريان هذه القاعدة في باب المستحبّات والمكروهات ، فلو تعلّق الحكم الاستحبابي بأمر حرجي فإنّ قاعدة) لا حرج (لا تنفي الاستحباب ، ولو تعلّق الحكم الكراهتي بأمرٍ حرجي فإنّ هذه القاعدة لا تنفي الكراهة.
إلّا أن مع ملاحظة ما قلناه ، فإنّ الأمر بحاجةٍ إلى توضيحٍ ، فنقول : إنّ المسألة يمكن توضيحها بأحد طريقين :
الأوّل : أنّنا نشاهد في قاعدة) لا حرج (أنّه استخدمت كلمة) على (ونحن إذا لاحظنا الموارد التي استخدمت فيها كلمة) على (نجدها تستخدم في التكاليف الإلزاميّة ، وفي بعض التكاليف نستفيد الإلزام من نفس كلمة) على (، ففي آية الصوم حيث قال تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) فإنّه لا يتناسب إلّا مع الإلزام.
ونشاهد أيضاً في آية القتال : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) أو في أدلّة الأحكام التحريميّة مثل : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ...) فاستعمال كلمة) على (بعد كلمة) جعل (لا يمكن تطبيقه إلّا على التكاليف الإلزاميّة.
وأمّا الطريق الثاني : وهو المبتني على كلامنا السابق ، فقد جعلنا الحرج صفة للتكليف في قبال من ظنّ الحرج عنواناً للفعل والعمل حيث كان يفسّر قوله (ما جَعَلَ) ب) ما أوجب (، وقد أجبناه أنّ (مِنْ حَرَجٍ) مفعول مطلق نوعي ، أي : ما جعل عليكم في التكاليف من تكليفٍ حرجي ، فعنوان الحرج وصف للتكليف نفسه ، ووصف لنفس الحكم ، وهذا المعنى الذي استفدناه يعطي ثماره فيما نحن فيه ، لأنّه لو كان الحرج وصفاً للتكليف ، فنحن نعلم بأنّ التكليف الاستحبابي مهما كان المكلّف به حرجيّاً فإنّ نفس التكليف الاستحبابي لا يمكن أن يكون حرجياً ، فالتكليف الذي يتضمّن إمكان المخالفة والترك من دون استحقاق للعقاب على تركه ، هل يمكن أن نقول بأنّه حرجي؟.
