والآن لو انحصر دليلنا بهذه الآية : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فأرى أنّه لا يمكن لأحد أن يناقش في أنّ المراد من هذا التعبير هو الحرج الشخصي ، لأنّ هذا الخطاب (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ) سواءً بلسانه ، أو بملاكه يشمل عموم المكلّفين ، أي أنّ أصل الخطاب أو ملاكه يقول : (أيّها المكلّف) وزيد مكلّف ومخاطب بهذا الخطاب ، وعمرو مكلّف ومخاطب بهذا الخطاب ، وكذا جميع المكلّفين بآحادهم مخاطبون بهذا الخطاب بقوله (عَلَيْكُمْ) خاصّة ، وقد جاء بعدها كلمة (فِي الدِّينِ) والدين معناه مجموعة التكاليف الدينيّة ، أي الوظائف والقوانين الإلهيّة ، كالوضوء الذي جعل على كلّ واحدٍ من المكلّفين ، وكذا الغُسل والصوم ، ثمّ تأتي الآية وتقول :) يا أيّها المكلّفين ما جعل الله عليكم في التكاليف المتوجّهة إليكم من تكليف حرجيٍّ) ، ولا معنى هنا لأن نفسّر الحرج بالحرج النوعي ، فليست المسألة مسألة النوع ، وإنّما هي مسألة التكليف سواءً أكان هناك مخاطب حقيقة أو ملاكاً ، فلا فرق في هذه الناحية ، فإنّ آية نفي الحرج هنا تحدّد دائرة الأحكام المتوجّهة إلى المكلّفين ، وفي الحقيقة فإنّ (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) بمثابة الملحق لجميع الأدلّة الأوّليّة التي تجعل التكليف متوجّهاً نحو كلّ واحد من المكلّفين ، وأساساً لا يمكن أن يتوهّم أنّ المراد من الحرج في الآية الشريفة هو الحرج الحاصل لدى النوع ، فإذا بقينا نحن وهذه الآية وافترضنا انحصار الدليل بقاعدة) لا حرج) فلا أرى أنّ لأحد أن يحتمل أنّ المراد من هذا الحرج هو الحرج النوعي.
إلّا أنّ الأمر الذي أدّى إلى طرح مسألة الحرجية النوعية هو آية الصوم ، إذ يقول تعالى في آية الصوم : (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(١).
__________________
(١). البقرة : ١٨٥.
