قاعدة لا حرج بحدّ ذاتها قابلة للتخصيص ، وإمكان التخصيص فيها وارد ، إلّا أنّه في الواقع الخارجي لا يمكننا أن نجد مورداً واحداً كمثال على التخصيص في قاعدة لا حرج.
وحكي عن الشيخ الأنصاري أعلى الله مقامه الشّريف أنّ قاعدة نفي الحرج ليس فقط يحتمل بشأنها التخصيص ، بل أنّ موارد التخصيص موجودة ومن الكثرة بحيث تُشكِّل وهناً في قاعدة (لا حرج) (١)، ولازم ذلك أنّنا لو تمسّكنا في مورد بعموم قاعدة (لا حرج) فهذا لا يكفي ، لأنّ عمومها موهون ، ولا يصلح للركون إليه ، ولا بدّ مثلاً من ضمِّ عمل الأصحاب وفتواهم ، أو أشياء اخرى من هذا القبيل إلى هذا العموم حتّى ينجبر وهنه ، ويكون صالحاً للاستناد إليه. فإذا كانت هذه القاعدة على هذه الصورة من الضعف فإنّها سوف لا تنفع كثيراً ، فلا يمكننا الاستفادة منها في الفقه كثيراً.
غير أنّه حكي أيضاً عن الشيخ الأنصاري نفسه ما يخالف هذا المعنى ، فقد حكي عنه أنّه قال : إنّ قاعدة (لا حرج) من القوّة والإحكام بشكل لو أردنا معه أن نأتي ولو بدليل واحد كمخصّصٍ لهذه القاعدة ، فإنّ مجرّد كونه أخصّ منها لا يقتضي أن يقدّم عليها ، وهذا عجيب جدّاً ، وقد مرّ عليكم في الاصول في مسألة العامّ والخاصّ أنّ الدليل الخاصّ يقدّم على العامّ مطلقاً ، إلّا إنّه أفاد هنا بأنّ الخاصّ لا يقدّم على قاعدة (لا حرج) لمجرد كونه أخصّ ، أي أنّ هذه القاعدة على هذه الدرجة من القوّة والإحكام ، فما ظنّك لو لم يكن هناك أخصيّة وأعمّية في البين. فإنّ قاعدة (لا حرج) نوعاً ما بالقياس إلى الأدلّة الأوّليّة ـ مع غضّ النظر عن الحكومة ـ بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه ، فربما نشاهد ذلك ٩٠% أنّ
__________________
(١). فرائد الاصول ٢ : ٣٢.
