آية الحرج ومفهوم الوصف
والآن نبحث هذه القاعدة من زاوية اخرى ، فنقول هل الحرج الموجود في الآية ينطبق عليه عنوان الوصف؟
وإذا كان كذلك فما هو الموصوف؟ الموصوف هو الحكم ، فقوله : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يعني (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ) حكم حرجي ، فهل الحرج هنا صفة ونعت للحكم ، أو أنّ الحرج صفة لفعل المكلّف ، أي (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ) من فعل حرجي وعمل حرجي؟ فإذا جعلنا الحرج صفة للفعل ، حينئذٍ يكون (وَما جَعَلَ) بمثابة ، ما أوجب ، يعني : ما أوجب الله عليكم في الدين فعلاً حرجيّاً ، ولقائل أن يقول : ما الداعي لإثارة مثل هذا الاستفهام والخوض فيه؟
والذي يدعونا لإثارة هذه النقطة ، هو أنّنا عادة ما نواجه حرجاً في موارد متعدّدة ، وعليه لا بدّ أن نشخّص ما هي الامور التي تستدعي الحرج ، هل التوضؤ أو الاغتسال في جوّ شديد البرودة هو من الحرج؟ فإذا قلنا بذلك فمؤدّى ذلك أنّ الأمر الحرجيّ هو ما كان يحسب حرجيّاً في الخارج ، أي أنّ عمل المكلّف قد يسبّب حرجاً ، وهذا يستدعي أن نعتبر الحرج في الآية الكريمة صفة للفعل ، وإذا جعلنا الحرج صفة للفعل فيكون معنى الآية : ما أوجب الله عليكم فعلاً حرجيّاً ، وما أوجب الله عليكم وضوءاً حرجيّاً.
ولكن هذا الفهم للآية غير موافق لظاهرها ، لأنّ عبارة (مِنْ حَرَجٍ) في الحقيقة حلّت محلّ مفعول مطلق نوعي ، فلو أردنا أن نمعن النظر في الآية من الناحية الأدبيّة يبدو أنّ الحرج يتعلّق بالفعل. أي أنّ الحرج صفة للفعل. فهو مفهوم نوعي مطلق ، هنا لا بدّ من الإجابة على هذا السؤال ، وهو : هل المجعول الذي دلّ عليه فعل (جَعَلَ) هو نفس فعل المكلّف ، أو أنّ المجعول هو عبارة عن الحكم الشرعي؟ أي أنّ ما جعله الله تبارك وتعالى هو جعل الإيجاب كوجوب الوضوء ،
