اللغويين والتدقيق في تعبيراتهم يؤكّد لنا أنّه لا يوجد هناك فرق بين العسر والضيق ، والعسر لا يكون أعمّ من الضيق.
معنى العسر في العرف العامّ
إذا قلتم أنّ الملاك في ذلك هو العرف العامّ ، ففي حال مخالفة العرف العامّ للّغة ، ينبغي أن نحمل ألفاظ الكتاب والسنّة على العرف العامّ ، بدليل أن النّاس هم المخاطبون ، وأن الحديث إنّما يدور مع الناس. بناءً على ذلك ، إذا حصل هناك اختلاف بين اللغة وبين العرف ، أي بين الفهم اللغوي والفهم العرفي ، فالملاك هو العرف. والعرف العامّ في خصوص هذا المورد يرى أن العسر أعمّ من الضيق.
وفي معرض الرّد على هذا الاستدلال نشير إلى نقطتين هامتين :
النقطة الأولى : إن التعبير باليسر والعسر في الآية الشّريفة جاء في سياق الحديث عن الصوم. حين ابتدأت الآية بالكلام عن الصوم وهو قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، وورد في تتمة الآية : (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(١) وقلنا سابقاً في تفسير هذه الآية ، أنّ قوله (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) إنّما هو لبيان الحكم الإثباتي ، أي الجانب الإثباتي في الآية ، وأمّا قوله (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) فهو بيان لجانب النفي الذي يتضمّنه الحكم الشرعي.
بعبارة أوضح : إنّه إشارة إلى المريض والمسافر ، وأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلّل عدم إيجابه للصوم في شهر رمضان على المريض والمسافر بأن قال : (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وأمّا قوله : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) فهل المقصود منه أن
__________________
(١). البقرة : ١٨٥.
